قديم 05-05-2014, 07:49 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
الماضي
اللقب:
عضو جديد

البيانات
التسجيل: Apr 2014
العضوية: 67540
المشاركات: 7 [+]
بمعدل : 0.00 يوميا
اخر زياره : [+]

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الماضي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : ●قسم المناسبات الدينية والاجتماعية●
افتراضي آل البيت عليهم السلام وسلامة التوجه

 

آل البيت عليهم السلام وسلامة التوجه

الأمر الأول: النقاء الإسلامي

تصادف ذكرى شهادة مولانا الإمام الهادي عليه السلام ، والذي استشهد بعد معاناة طويلة بما يشبه السجن والاعتقال في سامراء؛ حيث استدعته سلطات الوقت من أجل قطع الطريق أمام نشر آل البيت معارف الإسلام الأصيل، الإسلام الذي أنـزله الله – عز وجل – على قلب رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم دون تحريف ولا تزييف؛ بما يمكنهم من أن يستمروا في تبوء ما لم يولِّهم الله – عز وجل – إياه من الركوب على دست الخلافة بغير ما أراد الله – عز وجل –، وكان القاطع الأساسي للطريق أمام هذا المشروع هو وجود آل البيت عليهم السلام ، وبالتالي اعتمدوا أساليب التصفية. التصفية الجسدية والتصفية المعنوية.

فقُتل منهم مَن قُتل بشكل علني ووحشي؛ كما حصل للإمام الحسين عليه السلام .و كان هناك تصفيات بأشكال مختلفة في قبيل ما مورس في حق أمير المؤمنين عليه السلام ؛ من: تشويه للسمعة، بل من نيل وسب وشتم. وإذا كان هناك أحد في هذه الأيام يحاول أن يحرك ملف السب فليبحثوا في مَن فتح ملف السب على منابر الجمعة!

وما يوجد اليوم، إن كان هو موجودا فهو من بقايا تلك الآفة الخبيثة التي ضربت العقل الإسلامي. وإلا فإن الإسلام لا يسمح [بذلك].

الله – عز وجل – نهى المؤمنين والمسلمين عن أن يسبوا آلهة الذين كفروا حتى لا يُسب الله عدوا بغير علم فقال – عز وجل – فـ ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ، مِنْ دُونِ اللهِ، فَيَسُبُّوا اللهَ، عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام/108].

فكيف يَسب المسلم؟

ليس من خلق المسلم أن يسب المسلم. مهما اختلفت الرؤى والآراء بينهما لا ينبغي أن يتجاوز هذا الطرف على ذاك الطرف بما لا تسمح به الضوابط والقيم الأخلاقية. كما أن العقل والمنطق يفرض على من أراد أن يؤثر في الآخرين حتى يستجيبوا له أن يكون حَسَن التعامل معهم، حسن العشرة معهم، ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ، بِالْحِكْمَةِ، وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل/125].

فإذا كانت موعظتك غير حسنة، بأن كانت الألفاظ غير ملائمة، غير مناسبة، فيها تجريح، فيها مساس للطرف الآخر، فلا تتوقع من الطرف الآخر أن يستجيب لك في ما دعوت إليه وقد ذكر الإمام الهادي عليه السلام للمتوكل في بعض حكمه له مثل هذا الموقف.

إذا أسأت لخصمك، وإذا حملت الغل في قلبك على خصمك، إذا لم تعش معه الألفة والمحبة فهو مثلك، له قلب مثل قلبك. إذا كان يؤذيك أن ينال منك فإنه يؤذيه أن تنال منه.

هذه من دروس الحكمة التي ألقاها أهل البيت عليهم السلام ، لكن الذين يستجيبون لمثل هذه الحكم إنما هو أهلها. ومن سعادة المرء كما قال أمير المؤمنين أن يضع معروفه عند أهله [1] .

لذلك نعزي إمامنا صاحب العصر والزمان والمراجع العظام والحوزات العلمية وأنفسنا وإياكم والمؤمنين بهذا المصاب الجلل.

شهر رجب كما تقرأون في الأدعية هو شهر الإستغفار والعودة إلى الله – عز وجل –، لأن الإنسان ينقي عقله ونفسه، كما يصفي بدنه وينظف بدنه من الأدران والآفات، يبحث عن أن تكون روحة شفافة عقله شفافاً ونظيفاً حتى يفكر بالشكل السليم ويحب بالشكل السليم، يميل إلى الأشياء الحسنة ويزهد في الأشياء الغير الحسنة، والاستغفار والتوبة إلى الله عز وجل هي تجسيد واقع التخلي عن كل ما من شأنه أن يبعد الانسان عن الله عز وجل هذا أمر.

الأمر الثاني: حب الخير

الإنسان بطبعة محب للخير، محب للاطمئنان، والله عز وجل يقول في تقرير هذه الحقيقة في القرآن الكريم ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات/8]. الإنسان إذا أحب المال فإنه يحب الخير، إذا أحبت المرأةُ الرجلَ فإنها تحب الخير، وإذا أحب الرجلُ امرأتَهُ فإنه يحب الخير، إذا أحب أي منا أي شيء في هذه الحياة فإنه يرى في ما يحبه الخير ولذلك يميل إليه ولذلك يهواه. قد يخطئ في الفهم، قد يخطئ في التطبيق، قد يخفق في الذهاب الى اليمين أو الى اليسار لكن المبدأ موجود عند جميع الناس.

الأمر الثالث: السعادة من الله ومعه

إن الله سبحانه وتعالى يقرر شيئاً لا يسوغ ولا ينبغي بل لايجوز لأحدٍ أن يغيب عن ذهنة، وهو أن السعادة والاطمئنان إنما يحصل بالرجوع إلى الله، ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا، وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ. أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾[الرعد/28]. المال لا يجعل الانسان مطمئناً، الشهرة لا تجعل الإنسان مطمئناً، الشهوات والغرائز لا تجعل الإنسان مطمئناً، كل شيء في هذه الحياة لا يجعل الإنسان مطمئناً، لأن الإنسان يبحث عن السعادة الدائمة. و﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ [القصص/88]، لذلك لأن الله عز وجل الباقي فذكره هو الباقي، وإذا ذكرت الله ذكرك﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة/152].

لذلك فإن أي طريق يؤدي بنا إلى غير الله عز وجل هو طريق ضلال، هو طريق انحراف، هو طريق هلاك. فهمنا أو لم نفهم.

من التراث الذي وصل إلينا عن الإمام الهادي عليه السلام الزيارة المعروفة بالزيارة «زيارة الجامعة الكبيرة»، لأن هناك زيارتين بعنوان الزيارة الجامعة والزيارة الجامعة الكبيرة التي يستحب قراءتها في مشاهدهم عليهم السلام ، وتعتبر من أصح الزيارات في مضمونها.

قد يناقش بعض العلماء في صحة سندها واعتباره، لكن لا يناقش أهل التحقيق في أن مضمونها، مفردةَ مفردةَ، له ما يؤيده في القرآن الكريم والسنة المطهرة والعقل السليم.

هناك بعض الكلمات أثار البعض إشكالاً حولها كقوله عليه السلام : «وفصل الخطاب عندكم»، حيث يظن أن فصل الخطاب عند الله عز وجل، ويثير شبهةً في هذا الباب! مع أن الله عز وجل، وهو المدبر، ينص في القرآن الكريم على ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾ [النازعات/5].

كيف يكون الله عز وجل هو المدبر والرب، ومع ذلك الملائكة يكونون من المدبرات أمراً.
كيف يتوفى الله الأنفس حين موتها؟ وكيف تتوفاهم الملائكة؟ إما أن يكون الله هو المتوفِّي أو الملائكة هم المتوفين؟

العلاقة كما يقرر أهل الحكمة والفلسفة في هذا الباب بين هذه العلل علاقة طولية. يعني أن الله علةُ العلل، سببُ الأسباب، لكن هذا لايعني أن لا يكون هناك أسبابٌ تحت هذا السبب، عللٌ تحت هذه العلل. وليس هناك تزاحم بين هذين المقامين، لأن المقام مقام الله عز وجل هو الأعلى ومقام غير الله عز وجل هو الأقل شأناً. قد يكون بعض هذه العلل قريباً من الله، بعض هذه العلل بعيدة عن الله.

الله عز وجلماذا يقول لنا ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة/2]، وفي نفس الوقت يطلب منا أن نستعين بالله عز وجل ونستعين بالصبر والصلاة ونستعين بالصيام وأمثال ذلك. ليس هناك تنافٍ.

والحديث في هذا في ضمن هذه الزيارة الجليلة، وهي في الواقع من أهم ما ينبغي للمؤمن أن يضعه برنامجاً فكرياً في الدرجة الأولى، ليجعل من شخصيته مبنيةً بناءً مرضياً، بناءً صحيحاً، ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[البقرة/30].

كيف يحقق الإنسان خلافة الله عز وجل في الأرض ولم يكتمل بنيانه النفسي والفكري؟

لا يمكن للإنسان أن يتبوأ هذا المقام.

في هذه الزيارة التي نسجل فيها إذعانناً وتسليمنا بأن آل البيت عليهم السلام كما شهد لهم أمير المؤمنين عليه السلام يقول: «نحن آل البيت لا يقاس بنا أحد» [2] لأن آل البيت شهد الله عز وجل لهم في القرآن الكريم بقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب/33]. يعني الفئة التي شهد الله لها بالاطمئنان، شهد الله لها بأنها صاحبة الذكر الأول والأخير في الناس، الفئة التي لا يمكن للناس أن يستغنوا عنها، الفئة التي تجانس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كماله إنما هم آل البيت عليهم السلام .

في ضمن مقاطع هذه الزيارة يقول عليه السلام ، والزيارة مروية عن الإمام الهادي عليه السلام يقول: «من أراد الله بدأ بكم، ومن وحده قبل عنكم، ومن قصده توجه بكم».

الحديث في هذه الفقرات طويل لا أريد أن أخوض فيه، لكن أريد أشير إلى أن الإمام عليه السلام في هذه الفقرات الثلاث، وبالخصوص في الفقرة الأخير «ومن قصده توجه بكم»، نحن نستشفع إلى الله بهم، نتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بهم، امتثالاً لقوله عز وجل: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة/35]. نحن نبتغي الوسيلة بالصلاة بالصيام وبالولاية لأولياء الله وبالتبرء من أعداء الله. هذه وسائل الوصول إلى الله عز وجل.

أشار الإمام عليه السلام ، كما ذكره بعض العلماء، هنا إلى موانع الوصول إلى الله عز وجل، والإنسان إذا عرف ما يمنعه من الوصول إلى الله عرف ما يوصله إلى الله. ومعرفة الموانع في كثير من الأحيان تفوق ضرورة معرفتنا بالأسباب.

وبعض العلماء يلمح إلى ذلك بالقول أن تكوين أو تركيب جملة "لا إله إلا الله" يشير إلى هذا المعنى، لا يكفي للإنسان أن يقول "إلا الله"، لأن المطلوب أن ينفي الأغيار أولاً. إذا لم ينفِ غير الله عز وجل على مستوى الألوهية فلا قيمة لاعترافه بالألوهية، لأنه سيكون قد اعترف بالله عز وجل رباً لكن لم ينكر غير الله عز وجل ممن يزعم أو يُزعم له أنه ضدٌ أو ندٌ لله عز وجل.

لذلك نحن بحاجة إلى أن نتعرف على مثل هذه العوامل، وهي كثيرة، لكن المقطع أشار إلى بعضها.

1– الطبيعة الإنسانية

العامل الأول، من عوامل الانحراف والخروج عن خط السير في عالم التكامل، هو: أن الإنسان بطبعه ضعيف، وبطبعه فقير، والله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ واللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر/15]. طبعاً هذا منطق القرآن، ومنطق البرهان والوجدان يؤكده.

ليس هناك أحد يزعم أن الناس كاملون مكملون، ولذلك نحن نذهب إلى المدرسة من أجل أن نكمل أنفسنا مما فيها من النقص، نذهب إلى المتاجر والمحلات، نذهب إلى أماكن الوظيفة، نتزوج، نتناسل، لأننا نشعر أن فينا نقصاً، نكمله بالتعلم، بالتعليم، بالكسب، بالتناسل، بكل هذه الجهود التي نقوم بها نحن نسعى إلى تكميل أنفسنا. فطبيعة الإنسان أنه يعيش عالم القوة، يعني أنت مستعد للتكامل، لكن إذا لم تنتقل من عالم القوة إلى عالم الفعل فأنت أشبه ما تكون بالعجينة، أنت أشبه ما تكون بالعجينة فيك قابلية أن نشكلك بشكل مسطح، مدور، مربع، مستطيل، طويل، عريض، لكنك تبقى عجينة. فمن أراد أن يبقى في عالم العجينة سيبقى في عالم العجينة.

المانع الأول: البقاء في عالم القوة

هو: ألا يبذل الإنسان جهداً في تكوين وفي تربية نفسه، ويضرب لذلك مثال الحديد. الحديد العادي يميل إلى السواد في لونه، وإلى الخشونة، فيقوم الصناعون بصقله إلى درجة تحويله إلى أشبه بالمرآه العاكسة للصور، هل تغير في الحديد شيء؟

لا، لم يتغير في الحديد شيء، لكن قمنا بشيء من المعالجة، حتى أصبح هذا الحديد يقبل أن تنتقش فيه الصور فترى الصور من خلاله.

نفس الإنسان أقرب ما تكون إلى هذا البعد لديك القابلية أن تحلق في عالم الكمال، لكن عليك أن تبذل جهدك ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاّ مَا سَعَى﴾ [النجم/39]. مطلوب منا أن نسعى ﴿وَقُلْ: اعْمَلُوا﴾[التوبة/105]. فمن لم يعمل، ومن لم يسعَ، سيبقى في عالم القوة ولن يصل إلى عالم الفعل. وهذا عامل داخلي.

العامل الثاني: الظروف الخارجية

التي تفرض نفسها على الإنسان فيستجيب لها بعض الناس ويتمنع عنها أناس آخرون. وهي ما نسميه في ثقافتنا بـ«المعاصي والذنوب».

المعاصي والذنوب ليست شيئاً كامناً في أنفسنا، وإنما هي عوامل خارجيه تفرض نفسها علينا تدعونا إليها، فإن استجبنا لها نكون قد انضوينا تحت لوائها. يقول الشيطان كما يحكيه القرآن الكريم: ﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ، إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ، فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم/22]. الشيطان هو في خارج ذواتنا لكنه يلامس بعض الأوتار في نفوسنا، والإنسان إذا حقق في نفسه العامل الأول؛ بمعنى أنه أبقى نفسه في عالم القوة، وفي العامل الثاني ارتكب المعاصي، وكل معصية هي حلقة من حلقات سلسلة طويلة من الحديد تثقل حركتنا، فإذا كانت معصية صغيرة تحد من حركتنا، وإذا كانت من المعاصي الكبار توقف حركتنا في الوصول إلى الله عز وجل.

لاحظوا ماذا يقول الله سبحانه عن هذا الباب:﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين/14]. القلب مثل المرآة، مثل الحديد الشفاف الصافي، هذا النظيف الصقيل يمكن أن تنعكس فيه الصور لكن ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، أي المعاصي التي وقعوا فيها رانت على قلوبهم، أي جعلتها صدئة، جعلتها لا تقبل أن تعكس الصور.

يقول الله عز وجل أيضاً الإنسان إذا وقع في ارتكاب عدد من المعاصي يقول: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾[يس/9]، يعني جعلنا عليه غشاوة، هو أراد أن يضل، هو أراد أن يعصي، أغشاه الله عز وجل لأن الأسباب الكبرى بيده ﴿فَهُمْ لا يُبْصِرُوْنَ﴾، أصبح في وضع يُرَى فيه الأشياء، يُبيّن له الآية، لكن لا يستفيد منها.

أيضاً ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون/3]. هذا عامل من العوامل فارتكاب المعاصي التي يستهين بها كثير من الناس، خصوصاً إذا كانت من الذنوب الصغار، والتي تسمى في الشريعة الإسلامية كما جاء عن رسول الله «إياكم ومحقرات الذنوب» [3] .

بعض الناس يقول هذا ذنب صغير. لا، ذنب صغير على ذنب صغير على ذنب صغير، والإصرار عليه يحوله إلى ذنب كبير، فكيف إذا اجتمعت كل هذه العوامل عليه. لذلك ينبغي لنا إخواني وأخواتي أن نستثمر مثل هذا الموسم الشريف.

العامل الثالث: التوجه غير السليم

عامل الانحراف في اتجاه غير سليم يعني الانحراف بالبوصلة، يراد منك أن تذهب بشكل مستقيم فتنحرف إلى اليمين أو إلى اليسار، وقد جاء عنهم: «هلك في اثنان» [4] هناك واحد يغالي وهذا منحرف، وآخر يقصر وهذا أيضاً منحرف «عالم متهتك وجاهل متنسك» [5] ، لا هذا مطلوب في الشريعة ولا ذاك.

مطلوب في الشريعة منا أن نجعل وجهتنا وجهة واحدة هي الله عز وجل. وهذا ما جاء في القرآن الكريم: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ، حَنِيفاً. وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام/79]. ثلاث فقرات كلها تؤكد هذا المعنى:

- 1﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ﴾
- 2﴿حَنِيْفاً﴾ أي لا انحراف فيه
-3 ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.

كل هذه الفقرات تدعم فكرة التوحيد والاتجاه إلى الله سبحانه وتعالى.

آية أخرى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ، وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ، وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ، فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ؟﴾ [الأعراف/185]. مطلوب منك أن تتفكر وتتأمل في هذه الآيات التي أراها الله سبحانه وتعالى إياك، لتعرف ﴿قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ [الأنعام/91].

أيضاً هنالك آية أخرى تؤكد لنا على أن الإنسان إذا انحرفت بوصلته وتمكنت منه معاصيه وذنوبه وآثامه لن يستفيد مما يأتي من الآيات والبراهين من الله عز وجل، يقول الله تعالى ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ، يَمُرُّونَ عَلَيْهَا، وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف/105]. ليس العيب في هذه الآية، ولا في هذا البرهان، ولا في هذه المعجزة، ولا في هذه الكرامة، العيب في إعراضه عن الله عز وجل هو لا يريد ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا، وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ؟!﴾ [هود/28].

لذلك فإن الذي لا يريد الحق، والنماذج اليوم موجودة في وسائل الإعلام، ليس لأن الحق غير موجود، هو لا يريد أن يرى الحق، وبالتالي لا فائدةمن الحديث معه، ولا قيمة في الحديث معه.

هنا يذكر العلماء في هذا الباب:

- 1أنه عاني من الاشتغال عن الله عز وجل، الغفلة. الاشتغال بغير الله عز وجل في أي جهة تجعل نداً وضداً لله عز وجل.
-2أو النوع الثاني الاشتغال بالدنيا.

كلا هذين الأمرين يمكن أن يكون من باب الطاعة. للإنسان أن يشتغل بغير الله لكن دون أن يقع في معصية، وأحيانا يشتغل في الدنيا بغير أن يقع في معاصي، لكن «شغلتنا أموالنا وأهلونا عن ذكر الله». كلُّ همِّه في المال، لذلك «اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا»[6] . حتى هذا الإنسان لو نجي من النار ودخل الجنة، فإن الجنة مراتب. لا يعقل أن يدخل المؤمن في الدرجة الأولى كما يدخل المؤمن في الدرجة العاشرة. هذا بذل هذا ضحى، هذا جاهد في سبيل الله، هذا جاهد في الله عز وجل فآتاه الله عز وجل ما حُرم منه أبناء الدنيا. وعلينا أن لا نشتغل مثل هؤلاء.

المانع الرابع: الموانع الخارجية

ويمكن أن تقسم إلى أصناف أذكر منها قسمين رئيسيين.

الأول: تشوش الرؤية، يعني أن يكون الإنسان لدية جهالات وجهل يظن أنها علوماً، وهي ليست من العلوم في شيء، ويقول أمير المؤمنين : «لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق» [7] . مطلوب من الإنسان إذا أراد أن يصل إلى الله وصولاً صحيحاً أن يكون لديه العلم الصحيح والعلم له منابعه التي جاءت في القرآن الكريم والسنة المطهرة أو ما صدقه القرآن والبرهان.

النوع الثاني أو المشكلة الثانية في الباب والسبب الثاني: الركون إلى الموروث. وذكرنا فيما مضى أن من موانع قبول ما جاء من عند الله عز وجل أو الآيات والبراهين هو التقديس الأعمى لما كان عند السابقين. ليس دائماً يكون ما ورثته من آبائك وأمهاتك هو الصحيح ، يجب أن يوزن بميزان الحق.

لذلك هذا البعد نسميه البعد المذهبي أو الطائفي أو أحياناً تزمت ديني أو تزمت اجتماعي، أيا كان.

القرآن الكريم يحكي لنا هذه المشكلة وقعت في بني إسرائيل يقول ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ﴾ [البقرة /145]. والآية فيها إلماحٌ، لاحظ أنها تقول ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. مشكلتهم أنهم أوتوا الكتاب، لان هؤلاء لم يكونوا فارغين من أي مضمون فكري. كلما جئته بآية قال أنا عندي تراث، عندي أدلة، وعندي براهين، لذلك فإن النقاش بين عالمين أشد ضراوة من النقاش بين عالم وجاهل. الجاهل إن كان لديه الاستعداد في البحث عن الحق سيسلم بأنه جاهل، لكن العالم لا يسلم بأنه جاهل، تحتاج إلى الكثير من الجهود لتأكيد حقيقة أنه عالم صحيح، لكن هذه المسألة أنت لست عالماً بها. إذا توصلت معه إلى هذه النقطة سهل عليك أن تقنعه بما لديك.

العامل الخامس والأخير: الاشتباهات

والتي تعني أن الإنسان في مقام التطبيق يخطئ، ويريد اللهَ عز وجل، يبذل جهده ليصل إلى الله، لكن تضل به الطريق، لذلك نحتاج دائماً إلى أن نعتصم بالله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً، وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران/103]. ولذالك نسأل نقول ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة/6]. سنأتي إن شاء الله في حينه. ﴿وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ، وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ [إبراهيم/12].


الهداية ليست من جهدك لكن نحن نبذل جهداً في تحصيل الوسائل، أما الهداية فهي من الله عز وجل يفيضها على الناس.

في الزيارة الجامعة ماذا تقول «بكم بدأ الله وبكم يختم»، والمقطع الذي بدأنا فيه الحديث «ومن قصده توجه بكم»، يعني أن من أراد أن يصل إلى الله يخطئ إن هو طرق باباً غير باب رسول صلى الله عليه وآله وسلم وباب آله عليهم السلام .

نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يسمع الحديث فيتبع أحسنه. اللهم صل على محمد وآل محمد اللهم انصر الإسلام والمسلمين واخذل الكفار والمنافقين، اللهم أصلح كل فاسد من أمور المسلمين، وشاف مرضانا، وارحم موتنا، وانصر المجاهدين بحق محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين، وفك أسرانا إنك على كل شيء قدير، وصل الله على ممد وآل بيته الطيبين الطاهرين.

[1] مستدرك الوسائل الحديث 14263.
[2] علل الشرائع، باب 141، الحديث 2.
[3] انظر: مادة (الذنب) في كتاب ميزان الحكمة.
[4] الأمثال في القرآن الكريم ص 191.
[5] عوالي اللئالئ، ج 4 ص 77.
[6] مجمع البيان، ج 9، ص 296.
[7] نهج البلاغة، الخطبة 147.

الشيخ حسن الصفار


 

 

 



 







عرض البوم صور الماضي   رد مع اقتباس
إضافة رد


أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


الساعة الآن 05:29 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd