المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرّد على الشيخ عبد الله بن سعيد الجنيد حول مسألة نكاح المتعة


الشيخ عباس محمد
04-24-2016, 01:38 PM
الرّد على الشيخ عبد الله بن سعيد الجنيد حول مسألة نكاح المتعة


بسم الله الرّحمن الرّحيم

قال الشيخ عبد الله بن سعيد الجنيد في كتابه حوار هاديء بين السنة والشيعة صفحة 82 - 83 :
( إنّ أهل السّنة يوافقون الشيعة في أنّ نصوص كتب الحديث كالبخاري ومسلم وغيرهما قد تضمّنت روايات تفيد أنّ المتعة كانت جائزة في أوّل الأمر غير أنّهم يعارضون وقوف الشيعة عند هذه الأحاديث المنسوخة دون التعرف على الأحاديث الصحيحة التي نسختها والتي تبيّن بوضوح أنّ المتعة كانت مباحة في أوّل الأمر يوماً من دهر ثم نسخ حكمها من الجواز إلى التحريم إلى يوم القيامة وذلك مثل الخمرة التي كانت مباحة أوّل الأمر ثم نزل تحريمها في القرآن .
وكذلك الحكم في أكل لحوم الحمر الأهلية التي حرّمتها السّنة بعد أن كان الصحابة يطبخونها ويأكلونها .
فهذه الأمور الثلاثة ( المتعة والخمر والحمر ) أحكام منسوخة من الجواز إلى التحريم علماً أنّ الناسخ والمنسوخ مقرّر معروف ومأخوذ به لدى علماء الشيعة الذين قررت كتبهم جواز نسخ السّنة للقرآن )

أقول : إن الشيعة الإمامية الإثنى عشرية يعتبرون نكاح المتعة مما أحلّه الله سبحانه وتعالى وشرّعة في كتابه وعلى لسان نبيّه المصطفى محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - ، أما دليل تشريعة من الكتاب فهو قوله تعالى : { فما استمتعتم به منهنّ فآتوهن أخورهن ... } فقد صرّحت روايات أهل السّنة وأقوال العديد من علمائهم أنّ الآية يراد بها نكاح المتعة ( النكاح المنقطع ) ففي تفسير ابن كثير قال عند تفسيره لهذه الآية : ( ... وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة ... ) ( تفسير ابن كثير 1/475 ) وفيه أيضاً : ( وقال مجاهد : نزلت في نكاح المتعة ) وأخرج عبد الرّزاق بن همام في مصنفه – والسند صحيح - : ( عن ابن جريح قال : أخبرني عطاء أنّه سمع ابن عبّاس يراها – المتعة – الآن حلالاً ، وأخبرني أنّه كان يقرأ : ( فما استمتعتم به منهن – إلى أجل – فآتوهنّ أجورهن ، وقال ابن عباس : في حرف أبي : - إلى أجل - ) ( مصنف عبد الرزاق 7 /397 حديث رقم : 14099 ) ، وأخرج عبد الرزاق ( مصنف عبد الرّزاق 7/397 حديث رقم : 14098 ) بسند صحيح – والرواية طويلة نأخذ منها هنا موضع الحاجة - : ( ... قال عطاء وسمعت ابن عباس يقول : يرحم الله عمر ، ما كانت المتعة إلاّ رخصة من الله – عز وجل – رحم بها أمّة محمد ( ص) ، فلولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلاّ شقي ، قال : كأني والله أسمع قوله إلاّ شقي – عطاء القائل – قال عطاء : فهي التي في سورة النساء : { فما استمتعتم به منهن } ... ) . وفي تفسير محمد بن جرير الطبري روى بسنده قال : ( حدثنا محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن مفضل ، قال : حدثنا أسباط عن السدي فما استمتعتم به منهن أجل فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ، فهذه المتعة الرجل ينكح المرأة بشرط إلى أجل مسمى ... ) ( تفسير الطبري 5/12 ) وفيه أيضاً : ( حدثنا ابن المثنى قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق عن عمير أن ابن عباس قرأ { فما استمتعتم به منهن - إلى أجل مسمى - ... } ورجال سند هذه الرواية ثقات ، فـ ( ابن المثنى ) هو الحافظ أبو موسى محمد بن المثنى بن عبيد بن قيس العنزي المعروف بالزمن من الثقات الأثبات عند القوم ، وممن اتفق الستة على إخراج حديثه ، و ( أبو داود ) هو الحافظ الكبير سليمان بن داود الطيالسي صاحب المسند من رجال مسلم والترمذي والنسائي وأبي داود وابن ماجه وهو أيضاً من الثقات عندهم ، و ( شعبة ) هو الإمام الحافظ شبعة بن الحجاج بن الورد لقبوه بأمير المؤمنين في الحديث وممن اتفق الستة على إخراج حديثه ، و ( أبو إسحاق ) هو الحافظ الثقة الحجة عندهم عمرو بن عبد الله بن ذي يحمد الهمداني الكوفي وهو أيضاً ممن اتفق الستة على إخراج حديثه ، و ( عمير ) فهو عمير بن تميم بن يريم أبو هلال وقد ذكره ابن حبّان في ثقاته 5/254
وفي تفسير الطبري : ( حدثنا ابن بشار قال حدثنا عبد الأعلى قال : حدثنا سعيد عن قتادة قال في قراءة أبي بن كعب فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى ) ، ورجال سند هذه الرّواية من الثقات فـ ( محمد بن بشار ) هو الحافظ أبو بكر محمد بن بشار بن عثمان العبدي المعروف ببندار ، وثقه العديد من علماء القوم واتفق الستة على إخراج حديثه ، و ( عبد الأعلى ) هو عبد الأعلى بن عبد الأعلى بن محمد وقيل ابن شراحيل القرشي البصري وثقه العجلي وابن خلفون وأبو زرعة وابن حجر العسقلاني وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال أبو حاتم : صالح الحديث ، وقال النسائي : ليس به بأس ، و ( سعيد ) هو الإمام الحافظ سعيد بن أبي عروبة عالم أهل البصرة من الثقات عند القوم وممن اتفق الستة على إخراج حديثه ، و ( قتادة ) هو قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز أبو الخطاب السدوسي البصري ثقة ثبت عندهم اتفق الستة على الإخراج له .
وفيه تفسير الطبري أيضاً قال : ( حدثنا أبو كريب قال : حدثنا يحيى بن عيسى قال : حدثنا نصير بن أبي الأشعث قال : حدثني حبيب بن أبي ثابت عن أبيه قال أعطاني ابن عباس مصحفاً فقال : هذا على قراءة أبي ، قال أبو كريب قال يحيى : فرأيت المصحف عند نصير فيه فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى ) .
وفي تفسير ابن كثير ( 1/475 ) قال : ( وكان ابن عباس وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والسدي يقرؤون ما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ) .
وفي ناسخ الحديث ومنسوخه (1/366 ) : ( حدثنا عبد العزيز بن محمد قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن عباد قال : حدثنا عبد الرزاق عن ابن جريح قال : أخبرنا عطاء أنه سمع ابن عباس يقرأ فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن ، وقال : قال ابن عباس : في حرف أبي إلى أجل مسمى ) .

وأقول : إن قراءة هؤلاء للآية بهذه الطريقة ليس لأن عبارة – إلى أجل أو إلى أجل مسمى – هي من أبعاض الآية بل هو تفسير لها تأكيداً على أنّ الآية خاصة بزواج المتعة وربما تأكيدهم المستمر على القراءة بهذا الشكل وتسجيل البعض من هؤلاء لهذا التفسير في مصحفه إنّما هو لإيمانهم بحلية هذا النوع من النكاح وأنّه لم يرد دليل يحرّمه تحدّياً للتيار المقابل الذي يدّعي الحرمة .

وصرّحت بذلك أيضاً روايات أئمة أهل البيت - عليهم السلام - ففي كتاب الكافي للعلامة الكليني رحمه الله عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن الحسن بن علي بن رباط عن حريز عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال : سمعت أبا حنيفة يسأل أبا عبد الله - عليه السلام - ( الإمام جعفر الصادق ) عن المتعة فقال : أي المتعتين تسأل ؟ قال : سألتك عن متعة الحج فأنبئتني عن متعة النساء أحق هي ؟ فقال : سبحان الله أما قرأت كتاب الله عزّ وجل ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ) فقال أبو حنيفة : والله فكأنها آية لم أقرأها قط ) ( الكافي 5/450 ) .
وروى الحميري في قرب الإسناد صفحة 21 ( عن أحمد بن إسحاق عن بكر بن محمد قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المتعة ؟ فقال : ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ) .
وفي نوادر أحمد بن محمد بن عيسى صفحة 65 ( عن النضر بن سويد عن عاصم بن حميد عن أبي بصير قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن المتعة فقال : نزلت في القرآن وهو قول الله ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن ) الخبر .



أمّا الأدلة على حليتها وجوازوها من السنة فكثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه قال : ( قال ابن جريح ، وأخبرني عمرو بن دينار عن حسن بن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع – رجل من أسلم من أصحاب النبي (ص) – أنهما قالا : كنا في غزوة فجاء رسول رسول الله (ص) فقال : إن رسول الله (ص) يقول : استمتعوا ) (1) .

ومنها ما أخرجه مسلم بن الحجاج والبخاري في صحيحيهما وغيرهما (2) عن ابن مسعود – واللفظ لمسلم – أنّه قال : ( كنا نغزو مع رسول الله (ص) ليس لنا نساء فقلنا الا نستخصي ؟! فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ عبد الله { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين }(3) .

ولا حاجة إلى الإكثار من الرّوايات التي تثبت أنّ نكاح المتعة كان مشرعاً وأنّ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أجاز لأصحابه التمتع وأمرهم به ، فهذا من المسلمات عند الفريقين الشيعة والسنة .

ثم إنّ الشيعة لم يرد عندهم دليل صحيح معتبر على حرمة المتعة فتشريعها باق إلى يوم القيامة فحلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة ، وإذا كانت هناك روايات عند أهل السنة كما يزعم الجنيد تفيد نسخ حكم الجواز إلى الحرمة فهذه الروايات لم تثبت صحتها عند الشيعة فلا يصح له الطعن عليهم في قولهم بحلية المتعة .

أما الروايات التي يستند إليها القوم لإثبات حرمتها فإن من يتتبعها ويدقق فيها يجزم بأنها روايات موضوعة مكذوبة – وإن كانت عندهم صحيحة ومروية في أصح الكتب لديهم – فهي متناقضة ومتضاربة في تحديد الوقت الذي حرّم رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فيه المتعة ، فرواية تقول أنه - صلى الله عليه وآله وسلم - حرّمها يوم خيبر وأخرى تقول بأنه حرّمها عام فتح مكة وثالثة تقول بأنه حرّمها في حجة الوداع ، ورابعة تقول بأن ذلك كان في غزوة تبوك ، وخامسة في حنين ، وسادسة في غزوة أوطاس ، وسابعة في عمرة القضاء (4) ولذلك حار القوم في تحديد وقت تحريم المتعة منه ’حتى زعم بعضهم أنها حللت وحرمت مرات عديدة !!! .

ونحن نستعرض هنا أهم الأدلة الروائية التي استند إليها القوم في التحريم ، وأوّلها ما نسب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه السلام - أنّه قال : ( أنّ رسول الله (ص) نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية ) ويلاحظ على ذلك :
أولاً : لقد ثبت عند القوم في رواياتهم أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أباح المتعة وأجازها للمسلمين بعد يوم خيبر ، في فتح مكة وحجة الوداع وغيرهما ، وهذا دليل على بطلان تحرميها يوم خيبر .

ثانياً : إن بعضهم أنكر أن يكون صدر من النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - تحريم للمتعة في يوم خيبر بل صرح بعضهم بأنه لم يرد ذلك في أثر ولا خبر ، قال البيهقي : ( في ما قرأته في كتاب المعرفة ، وكان ابن عيينه يزعم أن تاريخ خيبر في حديث علي إنما هو في النهي عن لحوم الحمر الأهلية لا في نكاح المتعة ، قال البيهقي : وهو يشبه أن يكون كما قال ، فقد روي أنه رخص فيه بعد ذلك ... ) ( إرشاد الساري بشرح صحيح البخاري للقسطلاني 11/397 ) ، وقال السهيلي : ( النهي عن نكاح المتعة يوم خيبر لا يعرفه أحد من أهل السير ولا رواة الأثر ... ) ( إرشاد الساري 11/ 397 ) . وقال ابن عبد البر : ( إن ذكر النهي يوم خيبر غلط ) ( إرشاد الساري 9/232 ) .
وقال القسطلاني : ( وقد قيل إنّ في الحديث تقديماً وتأخيراً وأنّ الصواب نهى في غزوة خيبر عن لحوم الحمر الإنسية ، وعن متعة النساء وليس يوم خيبر ظرفاً لمتعة النساء لأنّه لم يقع في غزوة خيبر تمتع بالنساء ) ( إرشاد الساري 9/232 ) .
وفي هذا تصريح بأنّ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لم ينه عن المتعة يوم خيبر لأنه لم يحصل تمتع أصلاً في هذه الغزوة ، يؤيد ذلك أنّ الروايات المروية من غير طريق علي - عليه السلام - لم تذكر المتعة وإنما ذكرت فقط الحمر الأهلية ، إذاً القول بأنّ النهي عن المتعة كان يوم خيبر باطل وغير صحيح وخطأ ردّه العديد من علماء القوم ، فمتى يا ترى نهى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم عنها ؟! .

الثاني : ما روي من طريق مؤمل بن إسماعيل عن عكرمة بن عمار عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أنّه قال : ( خرجنا مع رسول الله (ص) في غزوة تبوك فنزلنا بثنية الوداع فرأى نساء يبكين فقال : ما هذا ؟ قيل : نساء تمتع بهن أزواجهن ثم فارقوهن . فقال رسول الله (ص) : حرم أو هدم المتعة النكاح والطلاق والعدة والميراث ) ( سنن البيهقي الكبرى 7/207 حديث رقم : 13956 ، مسند أبي يعلى 11/503 حديث رقم : 6625 وقال محققه الشيخ حسين أسد عن هذا الخبر : (إسناده ضعيف ) ، ورواه مختصراً الدار قطني في سننه 3/259 ) .
ويلاحظ على هذه الرواية : إنّ غزوة تبوك كانت في السنة التاسعة للهجرة ، وفي روايات القوم – كما سيأتي – أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أجاز التمتع لأصحابه في حجة الوداع وذلك في السنة العاشرة للهجرة ، فلو كان النكاح والطلاق والعدة والميراث هي المحرّمة للمتعة فياترى لماذا سمح النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لأصحابه بالتمتع بعد ذلك ، بل تفيد الروايات أنه - صلى الله عليه وآله وسلم - أمرهم بذلك ؟! .

___________________________________
هامش

(1) مصنف عبد الرزاق 7/397 رواية رقم : 14100 ، وأخرجه أيضاً أحمد بن حنبل في مسنده 4/47 ، والطبراني في المعجم الكبير 7/12 .
(2) صحيح مسلم 2/1022 برقم : 1404 ، صحيح البخاري 5/1953 برقم : 4787 ، صحيح ابن حبّان 9/448 برقم : 4141 و 9/449 برقم : 4142 ، السنن الكبرى للنسائي 6/336 برقم : 11150 ، السنن الكبرى للبيهقي 7/79 برقم : 13242 و 7/200 برقم : 13919 و 7/201 برقم : 13921 ، مسند أحمد 1/432 ، مسند أبي يعلى 9/260 برقم : 5382 ، مصنف ابن أبي شيبة 3/454 بر قم : 15917 و 3/552 برقم : 17079 .
(3) في هذه الرواية دلالة على أنّ ابن مسعود رضوان الله تعالى عليه يرى حليّة نكاح المتعة وأنّه لم ينسخ لا بالقرآن الكريم ولا بالسنة النبوية ، وأنّ المتعة من الطيبات التي أحلّها الله عزّ وجل ، وما قراءته لقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا ما أحلّ الله لكم } بعد أن روى الإباحة والرّخصة لهم من رسول الله ’ في التمتع إلاّ اعتراض على تحريم الخليفة عمر بن الخطاب ومن قال بقوله .
(4) قال ابن كثير في السيرة النبوية 3/366 : ( واختلفوا أي وقت أول ما حرمت ، فقيل : في خيبر ، وقيل عمرة القضاء ، وقيل في عام الفتح ، وهذا يظهر ( هكذا ) ، وقيل في أوطاس وهو قريب من الذي قبله ، وقيل في تبوك ، وقيل في حجة الوداع ) . وقال ابن رشد في بداية المجتهد 4/334 وهو يشير إلى روايات تحريم المتعة : ( ففي بعض الروايات أنّه حرّمه يوم خيبر ، وفي بعضها يوم الفتح ، وفي بعضها في غزوة تبوك ، وفي بعضها في حجة الوداع ، وفي بعضها في عمرة القضاء ، وفي بعضها في عام أوطاس ... .





الثالث : ما روي من طريق الربيع بن سبرة بن معبد الجهني عن أبيه سبرة : ( أنّ نبي الله (ص) عام فتح مكة أمر أصحابه بالتمتع من النساء ، قال : فخرجت أنا وصاحب لي من بني سليم حتى وجدنا جارية من بني عامر كأنها بكرة عيطاء فخطبناها إلى نفسها ، وعرضنا عليها بردينا فجعلت تنظر فتراني أجمل من صاحبي وترى برد صاحبي أحسن من بردي ، فآمرت نفسها ساعة ثمّ اختارتني على صاحبي ، فكن معنا ثلاثا ، ثمّ أمرنا رسول الله (ص) بفراقهن ) ( صحيح مسلم 4/133 ) ، وفي رواية أخرى أيضاً عن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه قال : ( أمرنا رسول الله (ص) بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة ، ثمّ لم نخرج منها حتى نهانا عنها ) ( صحيح مسلم 4/133 ) .

ويلاحظ على ذلك : أن فتح مكة كان في العام الثامن للهجرة المباركة ، وفي روايات القوم ما يدل على أن الصحابة فعلوها في غزوة تبوك وهي في السنة التاسعة للهجرة وقد مرّت الرواية على ذلك ، وتدل أيضاً أنّهم مارسوها في حجة الوداع وهي في السنة العاشرة للهجرة ، الأمر الذي يفيد بطلان ما تزعمه رواية سبرة هذه من أنه – صلى الله عليه وآله وسلم - حرّمها في عام الفتح .

الرابع : مارواه الربيع بن سبرة ( أن أباه حدثه أنهم ساروا مع رسول الله (ص) في حجة الوداع فقال : استمتعوا من هذه النساء ، والاستمتاع عندنا التزويج (1) فعرضنا ذلك على النساء فأبين الا أن لا يضرب بيننا وبينهن أجلاً ، فقال رسول الله (ص) افعلوا فخرجت أنا وابن عم لي معه برد ومعي برد وبرده أجود من بردي وأنا أشب منه فأتينا على امرأة فأعجبها شبابي وأعجبها برده ، فقالت برد كبرده وكان الأجل بيني وبينها عشراً ، فبت عندها تلك الليلة ثم غدوت فإذا رسول الله (ص) قائم بين الركن والباب ، فقال : يا أيها الناس اني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء الا وان الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ) (2) .
ويلاحظ عليه : أنّ الروايتين اللتين أوردناهما في الدليل الثالث المسندة إلى سبرة الجهني تثبت أنّ النبي – صلى الله عليه وآله وسلم - نهى أصحابه في فتح مكة في العام الثامن للهجرة عن متعة النساء نهياً قطعياً ، أما هذه الرواية - المسندة أيضاً إلى سبرة - فتفيد أنّ النبي – صلى الله عليه وآله وسلم - أمر أصحابة بالاستمتاع بالنساء في حجة الوداع ثم نهى عنها نهياً قطعياً ، فمتى يا ترى كان النهي عنها هل في فتح مكة أم في حجة الوداع وكلاهما مروي عن سبرة ؟ وكيف لم يسمع ذلك من النبي – صلى الله عليه وآله وسلم - غير سبرة الجهني إذا كان – صلى الله عليه وآله وسلم - صدع به في حجة الوداع أو فتح مكة بين ذلك الجمع الغفير من أصحابه ؟! .
فكيف تصلح مثل هذه الروايات المتناقضة المتضاربة الآحاد أن تكون دليلاً يركن إليه لإثبات حرمة ما هو ثابت بالدليل القطعي اليقيني ؟ .
إن مثل هذا التناقض والاختلاف والإضظراب في هذه الروايات لهو دليل على وضعها واختلاقها لتصحيح موقف الخليفة عمر بن الخطاب من هذا التشريع الإلهي ، الأمر الذي يدعو المرء المسلم إلى الصد والإعراض عنها ، واستصحاب الحلية .

مع الشيخ علي محمد معوض والشيخ عادل أحمد عبد الموجود

في كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد - نشر دار الكتب العلمية بيروت - لبنان ، الطبعة الأولى 1416هـ - 1996م وهذه الطبعة من تحقيق وتعليق ودراسة الشيخ علي محمد معوض والشيخ عادل أحمد عبد الموجود - في هامش صفحة 328 من المجلد الرابع يقول المحققان المذكوران وهما بصدد ذكر الدليل من الكتاب على حرمة نكاح المتعة : ( أما الكتاب : فقول الله تعالى : { والذين لفروجهم حافظون إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين } ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة : أنها أفادت أن الوطء لا يحل إلاّ في الزوجة والمملوكة ، وامرأة المتعة لا شك أنها ليست مملوكة ولا زوجة ، أمّا أنها ليست مملوكة فواضح ، وأما أنها ليست زوجة ، فلأنها لو كانت زوجة لحصل التوارث بينهما ؛ لقوله تعالى : { ولكم نصف ما ترك أزواجكم } الآية ، وبالاتفاق لا توارث بينهما .
وثانياً : لثبت النسب ؛ لقوله (ص) : > الولد للفراش وللعاهر الحجر < وبالاتفاق لا يثبت النسب .
ثالثاً : لو جبت العدة عليها ؛ لقوله تعالى : > والذين يتوفون منكم < الآية ) انتهى .

أقول :

أولاً : إن قوله تعالى : { والذين لفروجهم حافظون إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين } من سورة > المؤمنون < ، وسورة > المؤمنون < مكية نزلت قبل الهجرة ، فلا يمكن أن تكون ناسخة لنكاح المتعة المشروع في المدينة بعد الهجرة .

ثانياً : إن المتمع بها زوجة شرعية وعدم التوارث بينهما لا يلغي عنها عنوان الزوجية ، وإنما لا ترث المرأة من زوجها إذا كان نكاحها متعة لورود الدليل المخصص لعموم الدليل الخاص بأحكام الزوجة الدائمة ، وقد مرت رواية الربيع بن سبرة عن أبيه والتي يصرح فيها أن الإستمتاع عندهم هو التزويج .
ثالثاً : لقد ثبت أن الصحابة كانوا xxxxسونها فترة حياة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم - ومدة خلافة أبي بكر وشطراً من خلافة عمر بن الخطاب حتى نهى عنها عمر في آخر أيام حياته واستمر على القول بحليتها وجوازها جماعة من الصحابة منهم علي بن أبي طالب - عليه السلام - وابن عباس ، وجابر الأنصاري ، وغيرهم ، وفي ذلك دليل على عدم وجود المحرّم لها من كتاب الله عزّ وجل ، خصوصاً وأنّ هؤلاء من أعلم صحابة رسول الله بكتاب الله عزّ وجل وناسخه منسوخه .

رابعاً : قولهما : ( وبالاتفاق لا يثبت النسب ) !!! عجيب ، فمن أين أتيا بهذا الاتفاق ؟ ومن هم الذين اتفقوا على ذلك ؟! ، فالاتفاق قائم على خلاف قولهما ، فإن الأبناء المتولدين من نكاح المتعة أبناء شرعيين ينسبون إلى أبيهم وأمهم لا خلاف بينهم وبين الأبناء المتولدين من النكاح الدائم من حيث الحقوق والأحكام أبداً وبتاتاً .

رابعاً : إنه وكما تجب العدة على الزوجة الدائمة عند وفاة زوجها فهي تجب أيضاً على الزوجة المنقطعة – أي المتمتع بها – وهذا باتفاق علماء الإمامية الإثنى عشرية حيث لا خلاف بينهم في هذه المسألة .
_________________________________
(1) وهذه العبارة تفيد أن المتمتع به زوجة .
(2) سنن الدارمي 2/188 رواية رقم : 2195 ، سنن البيهقي الكبرى 7/203 رواية رقم : 13933 ، مسند أبي يعلى 2/238 رواية رقم 939 ، المعجم الكبير للطبراني 7/107 رواية رقم : 6513 .




قال الجنيد في حواره الهاديء صفحة 83 :
( إنّ النظرية الفقهية الشيعية القائلة بأنّ المتعة حرّمت بأمر من عمر بن الخطاب يبطلها عمل الإمام علي الّذي أقرّ التحريم في مدة خلافته ، والذي لم يناقش الصحابة في ذلك ، ونحن نجله أن يقرّ باطلاً أو أن يكتم علماً ... الخ ) .
أقول : زعمه أنّ القائل بأنّ عمر بن الخطاب هو الّذي حرّم نكاح المتعة هم الشيعة وحدهم غير صحيح ، فأقوال البعض من علماء أهل السنة صريحة في ذلك وكذلك رواياتهم بل إنّ عمر بن الخطاب نفسه ينسب تحريمه إلى نفسه ، حيث ثبت وبأسانيد مختلفة أنّ عمر بن الخطاب قال : ( متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنا أنهى عنهما متعة النساء ومتعة الحج ) (1) .
وفي شرح التجريد للعلامة القوشجي متكلم الأشاعرة أنّ عمر قال : ( أيها الناس ثلاث كنّ على عهد رسول الله ( ص) وأنا أنهى عنهن وأحرّمهنّ وأعاقب عليهنّ متعة النساء ومتعة الحج وحي على خير العمل ) ( شرح التجريد 484 ) .
وقال الراغب الأصفهاني في المحاضرات ( 2/94 ) : ( قال يحيى بن أكثم لشيخ البصرة : بمن اقتديت في جواز المتعة ؟ قال : بعمر بن الخطاب ( رض ) . قال : كيف وعمر من أشد الناس فيها ؟ فقال : لأنّ الخبر الصحيح أنّه صعد المنبر فقال : إنّ الله ورسوله قد أحلا لكم متعتين وإنّي محرّمهما وأعاقب عليهما ، متعة النساء ومتعة الحج ) .
وفي تفسير القرطبي ( 2/392 ) قال : ( والوجه الثالث من التمتع هو الذي توعد عليه عمر بن الخطاب وقال : متعتان كانتا على عهد رسول الله (ص) أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما متعة النساء ومتعة الحج ) .
وفي كتاب المستخرج على صحيح مسلم ( 3/346 ) قال : ( حدثنا عبد الله بن محمد أنبأنا أحمد بن علي حدثنا أبو الربيع حدثنا حماد بن زيد عن عاصم الأحول عن أبي نضرة عن خالد قال : ( متعتان فعلناهما على عهد رسول الله (ص) نهانا عمر عنهما فلم نعد لهما ) ثم قال : ( رواه مسلم عن حامد بن عمر البكراوي عن عبد الواحد عن عاصم ) .
وفي شرح معاني الآثار للطحاوي (2/144 ) قال : ( حدثنا ابن أبي داود قال : حدثنا سليمان بن حرب ، قال : حدثنا حماد عن عاصم عن أبي نضرة عن جابر (رض) قال : متعتان فعلناهما على عهد رسول الله (ص) نهى عنهما عمر (رض) فلن نعود إليهما ) .
وفيه أيضاً قال : ( حدثنا سليمان قال : حدثنا الخصيب ، قال : حدثنا همام عن قتادة عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله قال : تمتعنا مع رسول الله (ص) فلما ولي عمر خطب الناس فقال : إنّ القرآن هو القرآن ، وأنّ الرسول هو الرسول ، وأنّهما كانتا متعتان على عهد رسول الله (ص) متعة النساء فأنهى عنها وأعاقب عليها ) ( شرح معاني الآثار 2/144 ) .
وفي مسند إمام الحنابلة أحمد بن حنبل (1/52 ) قال : ( حدثنا بهز ، قال : وحدثنا عفان ، قالا : حدثنا همام ، حدثنا قتادة عن أبي نضرة قال : قلت لجابر بن عبد الله : أنّ ابن الزبير (رض) ينهى عن المتعة ، وأنّ ابن عباس يأمر بها ، قال : فقال لي : على يدي جرى الحديث ، تمتعنا مع رسول الله (ص) ، قال عفان : ومع أبي بكر ، فلما ولي عمر (رض) خطب الناس فقال : إنّ القرآن هو القرآن ، وأنّ رسول الله (ص) هو الرسول ، وأنّهما كانتا متعتان على عهد رسول الله (ص) إحداهما متعة الحج والأخرى متعة النساء ) (2) .
وفي تاريخ الخلفاء للسيوطي (136 ) قال وهو بصدد التحدث عن أولويات عمر بن الخطاب : ( وأول من حرّم المتعة ... ) .
ويقول القلقشندي في مآثر الأناقة في معالم الخلافة ( 3/338 ) عند ذكره أوليات عمر : ( وهو أول من حرّم المتعة بالنساء ) .
وعن ابن عباس أنّه كان يقول : ( ما كانت المتعة إلاّ رحمة رحم الله بها عباده ، ولولا نهي عمر لما احتيج إلى الزنا ) (3) .
وروى الطبري في تفسيره (5/13 ) بسند صحيح قال : ( حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة عن الحكم قال : سألته عن هذه الآية { والمحصنات من النساء إلاّ ما ملكت أيمانكم } إلى هذا الموضع { فما استمتعتم به منهن } أمنسوخة هي ؟ قال : لا ، قال الحكم : قال علي (رض) : لولا أنّ عمر ( رض ) نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي ) .
وفي تاريخ الطبري (2/579 ) عن عمران بن سوادة أنّه جاء إلى عمر ناصحاً ثم ذكر له الأمور التي عابت الأمّة عليه فكان مما قال له : ( ... وذكروا أنّك حرّمت متعة النساء وقد كانت رخصة من الله نستمتع بقبضة ونفارق عن ثلاث قال – أي عمر - : إن رسول الله (ص) أحلها في زمان ضرورة ثم رجع الناس إلى سعة ... ) .
وأخرج مسلم بن الحجاج في صحيحه بسنده عن أبي نضرة قال : ( كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت فقال : إن ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين فقال جابر : فعلناهما مع رسول الله (ص) ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما ) (4) .
وأخرخ سعيد بن منصور الخراساني في سننه قال : ( حدثنا سعيد حدثنا هشيم ، قال : حدثنا عبد الملك عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال : كانوا يتمتعون من النساء حتى نهى عمر ) ( سنن سعيد بن منصور 1/252 برقم : 850 ) .
ففي كل ما أوردناه دلالة واضحة وصريحة أنّ عمر هو الذي نهى عن المتعة ونسب تحريمها إلى نفسه وليس إلى الله ولا رسوله ، ولو كان قد نهى عنها الله أو رسوله – كما يزعمون – لما تردد عمر عن نسبته – أي النهي والتحريم – إليهما لأنه أبلغ حجة في تحقيق مراده وردع الناس عنها .
والذي يتضح من الرّوايات أنّ نهي عمر بن الخطاب عن نكاح المتعة كان في آخر أيام حياته وكان بسبب قضية خاصة تتعلق باستمتاع عمرو بن حريث بامرأة دون أن يعلن ذلك أو دون الإشهاد على نكاحه لها .
فقد أخرج عبد الرّزاق في مصنفه بسند صحيح عن ابن جريح عن عطاء قال : ( لأول من سمعت منه المتعة صفوان بن يعلى ، قال : أخبرني عن يعلى : أنّ معاوية استمتع بامرأة بالطائف فأنكرت ذلك عليه ، فدخلنا على ابن عباس ، فذكر له بعضنا ، فقال له : نعم ، فلم يقر في نفسي ، حتى قدم جابر بن عبد الله فجئناه في منزله فسأله القوم عن أشياء ثم ذكروا له المتعة ، فقال : نعم استمتعنا على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر وعمر حتى إذا كان في آخر خلافة عمر استمتع عمرو بن حريث بأمرأة – سماها جابر فنسيتها – فحملت المرأة ، فبلغ ذلك عمر ، فدعاها فسألها ، فقالت : نعم ، قال : من أشهد ؟ قال عطاء : لا أدري قالت : أمي أم وليها ، قال : فهلا غيرهما ، قال : خشي أن يكون دغلاً الآخر ... ) ( مصنف عبد الرزاق 7/396 حديث رقم : 14097 ) .
وفي رواية أخرى أخرجها عبد الرزاق أيضاً عن ابن جريح بسند رجاله ثقات قال : ( أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم أن محمد بن الأسود بن خلف أخبره أن عمرو بن حريث استمتع بجارية بكر من بني عامر بن لؤي فحملت ، فذكر ذلك لعمر فسألها فقالت : استمتع منها عمرو بن حريث فسأله فاعترف فقال عمر : من أشهدت ؟ قال : لا أدري أقال : أمها ، أو أختها أو أخاها وأمها ، فقام عمر على المنبر فقال : ما بال رجال يعملون بالمتعة ولا يشهدون عدولاً ، ولم يبينها إلاّ حددته ، قال : أخبرني هذا القول عن عمر من كان تحت منبره ، سمعه حين يقوله ، قال : فتلقاه الناس ) ( مصنف عبد الرزاق 7/399 حديث رقم : 14108 ) .
وهذه الرواية صريحة جداً في أنّ عمر بن الخطاب كان يرى باجتهاد منه أنّه لا بد من الإشهاد على نكاح المتعة ، وأنّه إنّما توعد وهدد برجم فاعلها إذا لم يشهد عدولاً على نكاحه ، نعم هناك روايات تدل على أنّه حرّمها مطلقاً .
وأخرج مسلم بن الحجاج في صحيحه ( 4/131 ) بسنده عن أبي الزبير قال : ( سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول : كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث ) (5) .

وأخرج عبد الرّزاق بسند صحيح قال : ( عن ابن جريح قال : أخبرني أبو الزبير قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول : استمتعنا أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى نهي عمرو بن حريث . قال : وقال جابر : إذا انقضى الأجل فبدا لهما أن يتعاودا فليمهرها مهراً آخر . قال : وسأله بعضنا كم تعتد ؟ قال : حيضة واحدة ، كن يعتددنها للمستمتع بهن ) ( مصنف عبد الرّزاق 7/398 حديث رقم : 14102 ) .
وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح أيضاً قال : ( عن ابن جريح قال : أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : قدم عمر بن حريث من الكوفة فاستمتع بمولاة ، فأتي بها عمر وهي حبلى ، فسألها ، فقالت : استمتع بي عمرو بن حريث ، فسأله فأخبره بذلك أمراً ظاهراً ، قال : فهلاّ غيرها ؟ فذلك حين نهى عنها . قال ابن جريح : وأخبرني من أصدق أنّ علياً قال بالكوفة : لولا ما سبق من رأي عمر بن الخطاب – أو قال : من رأي ابن الخطاب – لأمرت بالمتعة ثم ما زنى إلاّ شقي ) ( مصنف عبد الرزاق 7/399 حديث رقم : 14106 ) .
فهذه الأحاديث كلها صريحة في أنّ الناهي عن المتعة هو عمر بن الخطاب وأنّ دعوى التحريم من الله أو من رسوله مزعومة لم يكن لها وجود في عهد الصحابة فلذلك كانوا يمارسونها في حياة النبي وبعد وفاته طوال خلافة أبي بكر وحتى أواخر خلافة عمر بن الخطاب إلى أن صدر النهي عنها من عمر وهدد فاعلها بالعقاب والرّجم .
____________________________
هامش

(1) التمهيد لابن عبد البر 10/113 ، 23/365 ، تذكرة الحفاظ 1/366 ، علل الدارقطني 2/155 ، المحلى لابن حزم 7/107 ، المغني لابن قدامة 7/136 ، سنن البيهقي الكبرى 7/206 ، السنن لسعيد بن منصور الخراساني 1/252 ، شرح معاني الآثار للطحاوي 2/146 ، مسند أحمد بن حنبل 1/52 ، تفسير الفخر الرازي 2/167 ، بداية المجتهد 1/346 ، أحكام القرآن للجصاص 1/279 ، زاد المعاد في هدي خير العباد 2/205 ، الدّر المنثور 2/141 ، كنز العمّال 8/293 ، البيان والتبيين للجاحظ 2/123 .
(2) لاحظ أنّ هناك بتراً في نهاية هذه الرّواية للكلام الذي يصرّح فيه عمر أنّه ينهى عن المتعتان ويعاقب فاعلهما .
(3) نيل الأوطار للشوكاني 6/271 ، ناسخ الحديث ومنسوخه لابن شاهين 1/365 ، تفسير القرطبي 5/130 ، شرح معاني الآثار للطحاوي 3/26 ، مصنف عبد الرزاق 1/475 .
(4) صحيح مسلم 4/59 و 131 ، وأخرجه أيضاً البيهقي في السنن الكبرى 7/206 ، وفي الرّواية ما يدل على أنّ النهي عن المتعة صادر من عمر وليس من الله ولا رسوله ، ولو كانا النهي منهما لذكره جابر ونسبه إليهما لا إلى عمر .
(5) أقول : من يتمعن في هذا الخبر الصحيح - المروي في كتاب من أصح الكتب عند القوم وهو صحيح مسلم حتى أنّ البعض منهم يقدمه على صحيح البخاري – يظهر له جلياً أن جابر بن عبد الله الأنصاري وجميع الصحابة الذي استمتعوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن بعده في عهد أبي بكر و برهة من الزمن من خلافة عمر لا علم لهم بالتحريم ولا دليل عندهم على ذلك لا من كتاب ولا من سنة ولذلك كانوا يما رسونها دون أدنى تحرّج منها حتى نهى عنها عمر بن الخطاب ، كما ويوقفك هذا الخبر على بطلان وكذب الخبر الذي رواه الطبراني ( المعجم الأوسط 1/287 ) وغيره والذي نسب فيه إلى جابر بن عبد الله الأنصاري أنّه قال : ( خرجنا ومعنا النسوة اللاتي استمتعنا بهن حتى أتينا ثنية الركاب ، فقلنا : يا رسول الله هؤلاء النسوة اللاتي استمتعنا بهن ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هن حرام إلى يوم القيامة !!! ، فودعننا عند ذلك ، فسميت عند ذلك ثنية الوداع ، وما كانت قبل ذلك إلاّ ثنية الركاب ) ، فلو كان ما في هذه الرواية صحيحاً وأنّ البني صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن التمتع إلى يوم القيامة ، فلماذا تمتع جابر وغيره من الصحابة بعد هذا التحريم والنهي منه صلى الله عليه وآله وسلم ؟! ولماذا نسب التحريم إلى عمر ولم ينسبه إلى رسول الله ؟! .



ولم يخضع العديد من الصحابة والكثير من الناس إلى هذا التحريم العمري فكانوا يمارسونها ويفتون بجوازها .
ففي مصنف عبد الرّزاق بسند رجاله ثقات قال : ( عن ابن جريح قال : أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم قال : كانت بمكة امرأة عراقية تنسك جميلة ، لها ابن يقال له : أبو أمية ، وكان سعيد بن جبير يكثر الدخول عليها ، قلت : يا أبا عبد الله ، ما أكثر ما تدخل على هذه المرأة ؟ قال : إنا قد نكحناها ذلك النكاح ، للمتعة . قال : وأخبرني أن سعيداً قال له : هي أحل من شرب الماء ، للمتعة ) ( مصنف عبد الرزاق 7/396 رواية رقم : 14-97 ) .

وفيه أيضاً بسند صحيح قال : ( عن ابن جريح قال : أخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يراها – المتعة – الآن حلالاً ، وأخبرني أنّه كان يقرأ : { فما استمتعتم به منهن – إلى أجل – فآتوهن أجورهن } ، وقال ابن عباس : في حرف أبي : > إلى أجل < . قال عطاء : وأخبرني من شئت عن أبي سعيد الخدري قال : لقد كان أحدنا يستمتع بملء القدح سويقاً . وقال صفوان : هذا ابن عباس يفتي بالزنا ، فقال ابن عباس : إني لا أفتي بالزنا ، أفنسي صفوان أم أراكة ، فو الله إن إبنها لمن ذلك ، أفزناً هو ؟ قال : واستمتع بها رجل من بني جمح ) ( مصنف عبد الرّزاق 7/397 رواية رقم : 14099 ) .

وفيه : ( وقال أبو الزبير : وسمعت جابر بن عبد الله يقول : استمتع معاوية بن أبي سفيان مقدمه من الطائف على ثقيف بمولاة ابن الحضرمي يقال لها معانة ، قال جابر : ثم أدركت معانة خلافة معاوية حية فكان معاوية يرسل إليها بجائزة في كل عام حتى ماتت ) ( مصنف عبد الرزاق 7/398 ) .

وفي بداية المجتهد لابن رشد القرطبي قال : ( واشتهر عن ابن عباس تحليله – نكاح المتعة - ، وتبع ابن عباس على القول بها أصحابه من أهل مكة وأهل اليمن ، ووروا أنّ ابن عباس كان يحتج لذلك بقوله تعالى : { فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم } وفي حرف عنه > إلى أجل مسمى < ، وروي عنه : > ما كانت المتعة إلاّ رحمة من الله عزّ وجل رحم بها أمة محمد (ص) ولولا نهي عمر (رض ) عنها ما اضطرّ إلى الزنا إلاّ شقي < ) .

وقال ابن حزم في المحلى : ( وقد ثبت على تحليلها – المتعة – بعد رسول الله (ص) جماعة من السلف ( رض ) منهم من الصحابة (رض) أسماء بنت أبي بكر الصديق ، وجابر بن عبد الله ، وابن مسعود ، وابن عباس ، ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن حريث ، وأبو سعيد الخدري ، وسلمة ومعبد أبناء أمية بن خلف ، ورواه جابر بن عبد الله عن جميع الصحابة مدة رسول الله ، ومدة أبي بكر ، وعمر إلى آخر خلافة عمر .
واختلف في إباحتها عن ابن الزبير ، وعن علي فيها توقف(1) وعن عمر بن الخطاب أنه إنما أنكرها إذا لم يشهد عليها عدلان فقط ، وأباحها بشهادة عدلين ، ومن التابعين طاووس وعطاء وسعيد بن جبير وسائر فقهاء مكة أعزّها الله ) ( المحلى 11/69 ) .

وقال ابن قدامة في ( المغني 7/571 ) : ( وحكي عن ابن عباس أنها جائزة وعليه أكثر أصحابه عطاء وطاووس وبه قال جريح وحكي ذلك عن أبي سعيد الخدري وجابر وإليه ذهب الشيعة لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن فيها ... ) .

وأمّا زعمه أنّ علياً عليه السلام أقرّ تحريم عمر بن الخطاب للمتعة فحاشاه عليه السلام أن يقرّ أمراً فيه مخالفة لله ورسوله ، كيف وهو من المنكرين على عمر تحريمه لها وثبت عنه أنّه كان يقول : (لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي ) ( رواه الطبري في تفسيره 5/13 بسند صحيح ) وقوله : ( لولا ما سبق من رأي عمر بن الخطاب – أو قال : من رأي ابن الخطاب – لأمرت بالمتعة ثم ما زنى إلاّ شقي ) ( مصنف عبد الرزاق 7/399 حديث رقم : 14106 ) .

قال الجنيد صفحة 83 :
( على أنّ المتعة التي يدعو إليها الشيعة تختلف اختلافاً جذرياً عن المتعة التي شرّعت أول الأمر ثم حرّمت إلى يوم القيامة وإليك بيان ذلك : )

أقول : زعمه أنّ نكاح المتعة الذي يقول به الشيعة يختلف عن المتعة التي شرعها الله سبحانه وتعالى ورسوله زعم باطل ، فإن الشيعة يقولون بحلية نكاح المتعة بالشروط والمواصفات التي وضعتها الشريعة الإسلامية ، وحسب ما صحّ لديهم من روايات عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الطاهرين من أهل بيته عليهم السلام ، أما دعوى أنّ زواج المتعة حرّم إلى يوم القيامة فقد أثبتنا بطلانه فيما سبق وأثبتنا بالدليل أنه لا الله ولا رسوله حرّماه ، وإنما الذي حرّمه ونهى عنه هو الخليفة عمر بن الخطاب .

قال الجنيد صفحة 83 :

( إنّ الشيعة جعلوا الإيمان بالمتعة أصلاً من أصول الدين ، وجعلوا منكرها منكراً للدين ، فقد نقل ابن بابويه القمي الملقب بالصّدوق ، والكاشاني عن جعفر الصادق قوله : > إن المتعة ديني ودين آبائي ، فمن عمل بها عمل بديننا ، ومن أنكرها أنكر ديننا واعتقد بغير ديننا < )

أقول : قوله أن الشيعة جعلوا الإيمان بالمتعة من أصول الدين وأنهم جعلوا منكرها منكراً للدين من أكاذيبه وافتراءاته ، فأصول الدين عند الشيعة ثلاثة ، التوحيد والنبوة والمعاد يوم القيامة ، ويتفرع من التوحيد أصل وهو العدل وعلى النبوة أصل وهو الإمامة ، فجموع أصول الدين عند الشيعة خمسة أصول ، ولا يوجد قائل واحد من علماء الشيعة يقول بأنّ المتعة من أصول الدين ، فلماذا الكذب يا شيخ عبد الله ؟ .

أما الرّواية فقد نسبها إلى الشيخ الصدوق عليه الرّحمة وإلى الملا فتح الله الكاشاني وأشار في الهامش أن الشيخ الصدوق نقلها في كتابه من لا يحضره الفقيه ، ولم أعثر عليها في هذا الكتاب! ، وأن فتح الله الكاشاني نقلها في تفسيره منهج الصادقين ، وهو تفسير باللغة الفارسية ، ولا يوجد هذا التفسير بحوزتي ، ولا أعلم هل هي موجودة حقاً في هذا التفسير أم أنه نسبها إليه كذباً كما نسبها كذباً إلى كتاب من لا يحضره الفقيه ! ، على أنه ومع كثرت بحثي وتتبعي في المصادر الروائية لم أعثر عليها في واحد منها ، والله يعلم – على فرض وجودها في تفسير منهج الصادقين – أنها رواية ضعيفة ، إمّا لكونها بدون سند أو أنّ في سندها من هو ضعيف .
_________________________
هامش
(1) أقول : الصحيح أنّ علياً عليه السلام يرى حلية نكاح المتعة ، وقد ثبت عنه قوله : ( لولا نهي عمر عن المتعة ما زنى إلاّ شقي ) وما روي عنه مما نسب إليه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حرّمها يوم خيبر فقد مرّ الكلام حوله حيث أثبتنا بطلان ذلك .




قال الجنيد في صفحة 84 من حواره الهاديء :
( أنهم جعلوها من فضائل الأعمال وتطفيء غضب الرب فزعموا أنّ النبي (ص) قال : > من تمتع مرّة أمن من سخط الجبار < ) .

أقول : نقل في هامش الصفحة مصدر الرّواية وهو كتاب تفسير منهج الصادقين لفتح الله الكاشاني ولا علم لي بوجودها أو عدم وجودها في هذا المصدر لما ذكرت سابقاً ، ومجرد وجود رواية في هذا التفسير أو ذاك لا تعد حجة ما لم تثبت صحتها ويقول بمضمونها علماء المذهب ، فهل يرضى الجنيد أو غيره من أهل السنة أن نحتج عليهم بكل الرّوايات التي رواها الطبري في تفسيره أو القرطبي في تفسيره أو ابن كثير في تفسيره أو ابن حيان في تفسيره أو غيرهم ؟ ثم كيف يأمن العبد من سخط الجبار لمجرد أنّه يتزوج زواجاً منقطعاً وينكح إمرأة متعة إذا لم يكن ملتزماً بالواجبات ومنتهياً عن المحرمات ؟ وعليه فلا يمكن قبول مضمون هذه الرّواية على ظاهره .

قال الجنيد في نفس الصفحة :
( أنّهم رتبوا عليها مغفرة الرحمن ، فزعموا أنّه لما أسري بالنبي (ص) قال له جبرئيل : > يا محمد إن الله يقول : إنّي قد غفرت للمتمتعين من أمتك من النساء < ) .

أقول : نقل هذه الرواية عن كتاب من لا يحضره الفقيه وهي رواية مرسلة ليس لها سند فليست حجة ولا يحتج بها على أحد .

قال الجنيد في نفس الصفحة أيضاً : ( وسأل رجل جعفر الصادق عليه السلام : > هل للمتمتع ثواب ؟ قال : إن كانت يريد بذلك وجه الله (1) لم يكلمها كلمة إلاّ كتب الله له بها حسنة ، فإذا دنا منها غفر الله له بذلك ذنباً ، فإذا اغتسل غفر الله بقدر ما مرّ من الماء على شعره ) (2) .

أقول : نقل هذه الرّواية عن كتاب من لا يحضره الفقيه وهذه الرواية ساقطة سنداً فيكفي أن في سندها صالح بن عقبة وهو ضعيف كذاب غال ، حديثه ليس بشيء ، انظر ترجمته في خلاصة الأقوال ص 360 ، رجال ابن داود ص 250 ، نقد الرجال للتفريشي 2/411 .
ثم لو فرضنا صحة هذه الرّواية فما هو المانع يا ترى أن يعطي الله سبحانه وتعالى وهو الكريم لمن عمل عملاً يريد به وجهه ، مثل الثواب الذي ذكرته هذه الرّواية ؟! .
فهل يبخّل الجنيد كريماً ؟! .

قال الجنيد في الصفحة المذكورة : ( أنّهم جعلوا المتعة من أعظم أسباب دخول الجنة بل إنها توصلهم إلى درجة تجعلهم يزاحمون الأنبياء مراتبهم في الجنة ، وزعموا أنّ النبي (ص) قال : > من تمتع مرةً أمن من سخط الجبار ، ومن تمتع مرّتين حشر مع الأبرار ، ومن تمتع ثلاث مرات زاحمني في الجنان < ) .

أقول : إن أهم أسباب دخول الجنة هي التزام العبد بتعاليم وتوجيهات الشريعة الإسلامية وأداء ما افترضه الله سبحانه وتعالى عليه ، والانتهاء عن ما نهاه عنه ، وممارسة الأعمال التي تعتبر وسيلة من وسائل التقرب إليه سبحانه ، فهذه هي الأعمال التي توصل العبد إلى الجنة وتجعله في درجات قريبة من درجات الأنبياء عليهم السلام وليس نكاح المتعة .
ثم إنّ صاحبنا الجنيد أشار في هامش الصفحة أنّه نقل الرّواية التي ذكرها عن كتاب من لا يحضره الفقية للشيح الصدوق رحمه الله ولم أهتدي إلى هذه الرّواية في المصدر المذكور .

قال الجنيد في صفحة 85 : ( أنهم حذّروا من أعرض عن التمتع من نقصان ثوابه يوم القيامة فقالوا : > من خرج من الدنيا ولم يتمتع جاء يوم القيامة وهو أجدع ( أي مقطوع العضو ) < ) .

أقول : من هم هؤلاء الذين قالوا بذلك يا شيخ عبد الله الجنيد ؟ لماذا لم تذكر أسماءهم ؟ فأنت لم تشر إلاّ إلى مصدر واحد وهو كتاب تفسير منهج الصادقين ، ولا نعلم هل هذا القول لفتح الله الكاشاني صاحب التفسير أو هو رواية رواها ، فإن كان قوله فلم أعثر على دليل صحيح يؤيده من كتبنا ، وإن كانت رواية فلا تعلم صحتها من عدمها ، ثم ليس مجرد الصحة كاف في الاحتجاج بالرواية فلا بد من قبول علماء المذهب لها وقولهم على وفق ما ورد في مضمونها ولم أجد من قال منهم بذلك .

قال الجنيد في نفس الصفحة : ( أنه ليس هناك حد لعدد النساء المتمتع بهن ، فيجوز للرجل أن يتمتع بمن شاء من النساء ولو ألف امرأة أو أكثر ) .

أقول : إنّ الشيعة الإمامية الإثنى عشرية يتعبدون بما جاء في كتاب الله عزّ وجل ، وما ثبت وصحّ من سنّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسنة الأئمة الطاهرين من أهل البيت عليهم السلام ، وقد ثبت عن الأئمة الطاهرين عليهم السلام أنه لا حد معين لعدد النساء المتمتع بهنّ ، وله شبه في الشريعة الإسلامية وهو النكاح بملك اليمن ، فجميع المسلمين متفقون على أنّه بإمكان المرء أن ينكح ما شاء من النساء بملك اليمين .

قال الجنيد في نفس الصفحة أيضاً : ( إنّهم يجيزون التمتع بالبكر ولو من غير إذن وليها ، ولو من غير شهود أيضاً مخالفين قول النبي (ص) : > لا نكاح إلاّ بولي وشاهدين < ) .

أقول : إن مسألة استئذان الولي في النكاح – سواء النكاح الدائم أو المنقطع – بالنسبة للمرأة الباكر مسألة خلافية بين فقهاء مدرسة أهل البيت عليهم السلام ، فالأغلب منهم على وجوب الاستئذان ، والقليل منهم لا يرى الوجوب ، وإنما يرى استحباب ذلك ، فهذه المسألة من المسائل الفرعية الخاضعة للاجتهاد ، وكل فقيه يفتي بحسب ما يفيده الدليل الثابت عنده أو حسب ما يفهمه هو من الدليل ، وأما الإشهاد على النكاح فإن الشيعة لا يشترطون ذلك في الزواج لا دواماً ولا متعة ، ولو ثبت وصح عندهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي أشار إليه لما تركوا الأخذ به والعمل على مضمونه .
ويظهر لي أنّ صاحبنا غير مطّلع على كتب قومه أو أنّه مطّلع ولكنه يتعمد المغالطة والتدليس ، ألم يقرأ في تفسير القرطبي – وهو من أشهر تفاسير أهل السنة ، ومؤلفه من أشهر مفسريهم – ما ذكره عن ابن عباس أنه قال : ( إنّ نكاح المتعة كان بلا ولي ولا شهود ) ( تفسير القرطبي 5/133 ) .
ألم يقرأ قول ابن عبد البّر في التمهيد : ( أجمعوا على أنّ المتعة نكاح لا شهادة فيه ... إلى أن يقول ... وأنّه نكاح إلى أجل يقع فيه الفرقة بلا طلاق ولا ميراث بينهما ) .
____________________________
(1) في المصدر : إن كان يريد بذلك وجه الله وخلافاً على من أنكرها لم ... الخ .
(2) وتكملة الرواية : ( قلت : بعدد الشعر ؟ قال : نعم بعدد الشعر ) .




قال الجنيد صفحة 86 من حواره الهادئ : ( إنهم يجيزون اللواطة بها أيضاً بأن تؤتى من مؤخرتها ، ونسبوا إلى الإمام الرضا أنّه لما سئل عن إتيان المرأة في دبرها من خلفها قال : > أحلّتها آية من كتاب الله يوم قال لوط لقومه : > هؤلاء بناتي هنّ أطهر < وقد علم لوط أنّهم لا يريدون فروج النساء ) .

أقول : مسألة جواز أو عدم جواز إتيان المرأة في دبرها من المسائل الخلافية بين الفقهاء فمنهم يرى حرمة ذلك ومنهم من يرى الجواز على كراهة وهم الأغلب ، والاختلاف في ذلك ناشئ من اختلاف الدليل واختلاف العلماء في فهم الدليل .
ومن الصحابة والتابعين وعلماء وفقهاء أهل السنة من يرى إباحة ذلك وحليته ففي كتاب المغني لابن قدامة ( 7/225 ) قال : ( ورويت إباحته – وطء الزوجة في الدبر – عن ابن عمر وزيد بن أسلم ونافع ومالك ... ) وذكر مثله في الشرح الكبير ( 8/130 ) .
وفي كتاب أحكام القرآن للجصاص ( 2/39 ) : ( وروى أصبغ بن الفرج عن ابن القاسم عن مالك قال : ما أدركت أحداً أقتدي به في ديني يشك فيه أنّه حلال ، يعني وطء المرأة في دبرها ، ثم قرأ { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم } قال : فأي شيء أبين من هذا وما أشك فيه ) ( وذكره المناوي في فيض القدير 1/227 ، وابن قدامة في المغني 7/225 ، وفي الشرح الكبير 8/130 ، والطحاوي في مختصر اختلاف العلماء 2/344 .

وفي أحكام القرآن للجصاص (2/40 ) قال : ( قال أبو بكر : المشهور عن مالك إباحة ذلك – إتيان المرأة في دبرها – وأصحابه ينفون عنه هذه المسألة لقبحها وشناعتها ، وهي عنه أشهر من أن يندفع بنفيهم عنه ) .

وفي أحكام القرآن للجصاص : ( وقد حكى محمد بن سعيد عن أبي سليمان الجوزجاني قال : كنت عند مالك بن أنس فسئل عن النكاح في الدبر فضرب بيده إلى رأسه وقال : الساعة اغتسلت منه ) .

وقال المناوي في فيض القدير ( 1/227 ) : ( وقد روى الطحاوي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنّه سمع الشافعي يقول : ما صحّ عن النبي (ص) في تحليله ولا تحريمه شيء والقياس أنّه حلال ) ذكره الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء 2/343 ، والسيوطي في الدّر المنثور 1/638 .

وقال الطبري في تفسيره ( 2/394 ) : ( حدثني يعقوب قال ثنا هشيم قال أخبرنا بن عون عن نافع قال : كان ابن عمر إذا قرئ القرآن لم يتكلم ، قال : فقرأت ذات يوم هذه الآية { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } فقال : أتدري فيمن نزلت هذه الآية ؟ قلت : لا قال نزلت في إتيان النساء في أدبارهن ) .
وهذه الرواية صحيحة سنداً فرواتها كلهم من الثقات ، أما يعقوب فهو : (الحافظ أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدورقي البغدادي ) اتفق الستة – البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه – على إخراج حديثه ، وقال عنه أبو حاتم : (صدوق) ، وقال النسائي : ( ثقة ) ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال الخطيب : ( كان ثقة متقناً صنّف المسند ) وقال مسلمة : ( كان كثير الحديث ثقة ) ( تهذيب التهذيب 6/240 ) ، وأما هشيم فهو ( هشيم بن بشر بن القاسم بن دينار السلمي أبو معاوية ) وهو من الثقات الأثبات عند أهل السنة وممن اتفق الستة على إخراج حديثه ( تهذيب التهذيب 6/41 ) ، وابن عون هو ( عبد الله بن عون بن أرطبان المزني الخزاز البصري ) وهو كسابقه من الثقات الأثبات عندهم ، وممن اتفق الستة على إخراج حديثه ( تهذيب التهذيب 3/224 ) ، أما نافع فهو مولى ابن عمر وقد وصفوه بأنّه ثقت ثبت فقيه وهو كالذين سبقوه ممن اتفق أصحاب الصحاح الستة على إخراج حديثه ( تهذيب التهذيب 5/606 ) .

وقال الطبري : ( حدثني إبراهيم بن عبد الله بن مسلم أبو مسلم قال ثنا أبو عمر الضرير قال ثنا إسماعيل بن إبراهيم صاحب الكرابيسي عن بن عون عن نافع قال كنت أمسك على بن عمر المصحف إذ تلا هذه الآية نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم فقال أن يأتيها في دبرها ) .
وهذه الرّواية صحيحة رواتها ثقات ، فإبراهيم بن عبد الله بن مسلم أبو مسلم وثقه موسى بن هارون ( تاريخ بغداد 6/123 ) وقال عنه الدارقطني ( صدوق ثقة ) ( تاريخ بغداد 6/123 ) وذكر توثيق الدار قطني له الذهبي في تذكرة الحفاظ ( 2/621 ) وقال عنه الحافظ عبد الغني بن سعيد ( ثقة نبيل ) ( تاريخ بغداد 2/123 ) ، وأبو عمر الضرير هو ( حفص بن عمر بن الحارث ) ثقة ثبت حجة عند القوم ، أخرج له من أصحاب الصحاح الستة البخاري وأبو داود والنسائي ( ) ، وإبراهيم بن إسماعيل الكرابيسي ثقة أيضاً ، وثقه الذهبي في الكاشف (1/243 رقم الترجمة 354 ) وذكره ابن حبّان في الثقات ، وبقية رجال السند مر الكلام حولهم .

وفي الدّر المنثور للسيوطي (1/637 ) قال : ( وأخرج الدار قطني ودعلج كلاهما في غرائب مالك من طريق أبي مصعب واسحاق بن محمد القروي كلاهما عن نافع عن ابن عمر أنه قال : يا نافع أمسك علي المصحف ، فقرأ حتى بلغ { نساؤكم حرث لكم ... } الآية ، فقال : يا نافع أتدري فيم أنزلت هذه الآية ؟ قلت : لا . قال : نزلت في رجل من الأنصار ، أصاب امرأته في دبرها فوجد في نفسه من ذلك ، فسأل النبي (ص) ، فأنزل الله الآية . قال الدارقطني : هذا ثابت عن مالك ، وقال ابن عبد البر : الرّواية عن ابن عمر بهذا المعنى صحيحة معروفة عنه مشهورة ) .

وقال ابن جرير الطبري : ( حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال ثنا عبد الملك بن مسلمة قال ثنا الدراوردي قال قيل لزيد بن أسلم إن محمد بن المنكدر ينهى عن إتيان النساء في أدبارهن فقال زيد أشهد على محمد لأخبرني أنه يفعله ) .
وقال الطبري : ( حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال ثنا أبو زيد عبد الرحمن بن أحمد بن أبي الغمر قال ثني عبد الرحمن بن القاسم عن مالك بن أنس أنه قيل له يا أبا عبد الله إن الناس يروون عن سالم كذب العبد أو العلج على أبي فقال مالك أشهد على يزيد بن رومان أنه أخبرني عن سالم بن عبد الله عن بن عمر مثل ما قال نافع ، فقيل له إن الحارث بن يعقوب يروي عن أبي الحباب سعيد بن يسار أنه سأل بن عمر فقال له يا أبا عبد الرحمن إنا نشتري الجواري فنحمض لهن فقال وما التحميض قال الدبر فقال بن عمر أف أف يفعل ذلك مؤمن أو قال مسلم ، فقال مالك أشهد على ربيعة لأخبرني عن أبي الحباب عن بن عمر مثل ما قال نافع ) .
وقال السيوطي في الدر المنثور 1/637 بعد أن نقل الرّواية هذه عن النسائي والطحاوي وابن جرير والدار قطني : ( قال الدار قطني : هذا محفوظ عن مالك صحيح ) .
وقال الطبري : ( حدثني أبو قلابة قال ثنا عبد الصمد قال ثني أبي عن أيوب عن نافع عن بن عمر فأتوا حرثكم أنى شئتم قال في الدبر ) ( تفسير الطبري 2/395 ) .
وهذه الرّواية حسنة إن لم نقل عنها بأنها صحيحة ، فأبو قلابة هو عبد الملك بن محمد بن عبد الله الرقاشي من رجال ابن ماجه ( ....... ) وعبد الصمد هو ابن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان التميمي من الثقات أخرج له الستة جميعهم ، وأبوه هو عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان التميمي من الحفاظ الثقات عندهم وممن اتفق الستة على إخراج حديثه ، وأما أيوب فإما أن يكون أيوب السختياني أو أيوب بن موسى القرشي فكلاهما يروي عنه عبد الوراث وكلامهما يروي عن نافع ، وهما من الثقات أخرج لهما الستة .
وقال : ( حدثني أبو مسلم قال ثنا أبو عمر الضرير قال ثنا يزيد بن زريع قال ثنا روح بن القاسم عن قتادة قال سئل أبو الدرداء عن إتيان النساء في أدبارهن فقال هل يفعل ذلك إلا كافر قال روح فشهدت بن أبي مليكة يُسئل عن ذلك فقال قد أردته من جارية لي البارحة فاعتاص علي فاستعنت بدهن أو بشحم ، قال : فقلت له سبحان الله أخبرنا قتادة أن أبا الدرداء قال هل يفعل ذلك إلا كافر فقال لعنك الله ولعن قتادة (1) فقلت لا أحدث عنك شيئا أبدا ثم ندمت بعد ذلك ) .

وهذه الرّواية صحيحة سنداً فأبو مسلم شيخ ابن جرير هو إبراهيم بن عبد الله بن مسلم وقد مرّ الكلام عنه وكذلك أبو عمر الضرير ، وأما يزيد بن زريع فهو من الحفاظ الأثبات ، واتفق الستة على إخراج حديثه ، وأما روح بن القاسم فهو من كسابقه من الحفاظ الأثبات ، أخرج له الستة ما عدا الترمذي وأما قتادة فهو أيضاً من الأثبات الثقات عندهم .

وقال : ( حدثني به محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال أخبرنا أبو بكر بن أبي أويس الأعشى عن سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن بن عمر أن رجلا أتى امرأته في دبرها فوجد في نفسه من ذلك فأنزل الله نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) .
وقال : ( حدثني يونس قال أخبرني بن نافع عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رجلا أصاب امرأته في دبرها على عهد رسول الله فأنكر الناس ذلك وقالوا أثفرها فأنزل الله تعالى ذكره نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) ( وقال السيوطي في الدّر المنثور 1/636 : وأخرج ابن جرير والطبراني في الأوسط وابن مردويه وابن النجار بسند حسن عن ابن عمر أنّ رجلاً أصاب امرأته في دبرها في زمن رسول الله (ص) ، فأنكر ذلك الناس وقالوا : اثفرها ، فأنزل الله { نساؤكم حرث لكم ... } الآية ) .

وأخرج الطبراني في معجمه الأوسط ( 4/144 ) قال : ( حدثنا علي بن سعيد الرّازي ، قال : نا محمد بن أبي عتاب أبو بكر الأعين قال : نا محمد بن يحيى بن سعيد القطان ، قال : نا أبي ، عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال : إنّما نزلت على رسول الله { نساؤكم حرث لكم } رخصة في إتيان الدبر ) ( وقال السيوطي في الدّر المنثور 1/636 : وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في المسند المستخرج بسند حسن عن ابن عمر قال : إنما نزلت على رسول الله (ص) { نساؤكم حرث لكم ... } الآية ، رخضة في إتيان الدبر ) .
وقال السيوطي في الدّر المنثور 1/637 : ( وأخرج ابن راهويه وابو يعلى وابن جرير والطحاوي في مشكل الآثار وابن مردويه بسند حسن عن أبي سعيد الخدري : أنّ رجلاً أصاب امرأته في دبرها فأنكر الناس عليه ذلك ، فأنزلت { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } .
وفي الدّر المنثور 1/638 : ( وأخرج النسائي من طريق يزيد بن رومان عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر : أن عبد الله بن عمر كان لا يرى بأساً أن يأتي الرجل المرأة في دبرها ) .
وفيه أيضا 1/638 : ( وأخرج البيهقي في سننه عن محمد بن علي قال : كنت عند محمد بن كعب القرظي فجاء رجل فقال : ما تقول في إتيان المرأة في دبرها ؟ فقال : هذا شيخ من قريش فسله يعني عبد الله بن علي بن السائب . فقال : قذر ، ولو كان حلالاً ) .
______________________
______________________
(1) أقول : انظر إلى ثقتهم وحافظهم ابن أبي ملكية كيف يلعن ثقتهم وحافظهم قتادة وثقتهم وحافظهم الآخر روح بن القاسم .