المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لايكون المؤمن مؤمناً حتى تكون فيه ثلاث خصال


عاشقة الزهراء
12-24-2011, 12:04 PM
السلام عليكم
اعلم أنه يراد منك أن تكون مقتدياً بسنّة من ربك عزّ وجلّ ، ثم بسنّة من نبيك (ص) ، ثم بسنّة من إمامك.


فعن [ الكافي : 2/241 ] .. عن الرضا (ع) أنه: لا يكون المؤمن مؤمناً حتى تكون فيه ثلاث خصال:


سنّة من ربّه ، وسنّة من نبيه (ص) ، وسنّة من وليّه.
فأما السنّة من ربّه : فكتمان سرّه ، قال الله عزّ وجلّ:
{ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول } . الجن/26 ..
وأما السنّة من نبيه (ص) : فمداراة الناس ، فإنّ الله عزّ وجلّ أمر نبيّه (ص) بمدارة الناس ، فقال: { خذ العفو وأأمر بالعرف } . الأعراف/199 ..
وأما السنّة من وليه فالصبر في البأساء والضرّاء .. .
فمن يكون مراداً منه الاقتداء بصفة ربّه التي يمتدح بها ، لا شكّ أنّه معدّ لمقامٍ عظيمٍ وخطبٍ جسيمٍ ، وذلك أنّ الله يريد أن يمكّنك داره التي اختارها واجتباها لأوليائه وأصفيائه وأحبائه ، وهي الجنة ، فلا بدّ أن يرشدك إلى الصفات التي تشبه بسكان تلك الدار ، حتى تحصل المناسبة بينك وبين الدار وبين سكانها .


وأما الدار ، فهي طيّبةٌ طاهرةٌ على أكمل ما يكون من الصفاء والنورانية ، وأما أهلها ، فهم الأنبياء ، والمرسلون والشهداء ، والصدّيقون ، فتأبى حكمة الحكيم أن يرضى بكونك بتلك الدار غريباً أجنبياً عنها ، وعن أهلها ، بحيث يكون وضعك في ذلك المكان وضع الشيء في غير محلّه اللائق به .
وهو سبحانه برأفته ورحمته لك ، لا يرضى لك إلا ذلك المكان الطيّب الطاهر ، فاقتضى ذلك شدة العناية الإلهية بإرشادك إلى أعلى الصفات ، وأكملها ، وأبهاها ، وأسناها.
فلم يرض منك إلا بأن تكون مقتدياً في الصفات التي لشرفها ، ورفعتها ، وجلالتها قد نسبها إليه عزّ وجلّ ، وأثنى بها على نفسه.

فمن يكون متصفاً بالصفات المنسوبة إليه ، يليق به أن يسكن في الدار المنسوبة إليه ، ولما كان جيرانه في تلك الدار أولياء الله ، ألزمه بأن يتصف بصفاتهم.
فعندها يخاطب الباري سبحانه نفسه ، التي طابت وطهرت بالاتصاف بتلك الصفات الطيّبة الطاهرة ، بقوله عز وجل : { يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية ، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي } . الفجر/27 ..

وتلك الصفات كثيرةٌ ، إلا أنّ الإمام (ع) اختار منها ثلاثةً للاهتمام بشأن هذه الثلاثة ، حتى وصف الإيمان معلّقاً عليها.

فالأولى : كونه كاتماً لسرّه ، وذلك أنّ أغلب الخلق غالبٌ فيهم النقص وعدم الكمال ، ولكنّ صفات الكمال معلومةُ الحسن والجمال والشرفية ، بحيث أنهم يتمنونها لأنفسهم ، لكن لمخالفتها لهوى النفس الأمّارة ، وضعف همّتهم لمجاهدتها يتقاعدون عنها.
فإذا رأوا مَن له همّة الاتصاف بها يخافون أن يتصف بها ، فيفوقهم في ذلك ، والنفس لا ترضى بالانحطاط عن الأقران ، بل تريد التفوّق عليهم طبعاً ، فما دام يمكنهم يسعون كلّ السعي في منعه من ذلك بالأفعال ، والأقوال ، وبكلّ حيلةٍ .
والشخص الواحد لا قابلية له على مقاومة من لا يحصى عددهم ، فلم يجعل الشارع للمؤمن طريق خلاص من ذلك إلا بكتم سرّه ، وهو عدم إظهار ما هو بانٍ عليه ، فحينئذ يُكفَى من شرّ الخلق ، ولا ينقطع عليه الطريق.


فلما علم أهل البيت (ع) الأطباء الماهرون والحكماء المشفقون ، أنّ نفس هذا المؤمن الأمّارة بالسوء أيضا هي من جملة أعدائه ، وهي من جنس هؤلاء القطّاع للطريق ، رغّبوا المؤمن هذا الترغيب العظيم في كتم السرّ ، وبيّنوا له من صفات الربّ التي مدح بها نفسه ، وأنّ وصف الإيمان موقوفٌ على ذلك والمقصود رفع منازعة النفس ، وميلها إلى الإظهار ، فيتوسل إلى ذلك تارةً بأن فيه انتفاعاً لمن تظهره له ، وتارةً بقصد إدخال السرور عليه ، وتارةً بقصد الاستعانة بنظره لعل له نظراً في ذلك ، أو بدعائه ، أو لعله ينقله إلى مَن ينتفع به ، إلى غير ذلك من الرجحان للإظهار.

واعلم أنّ صفة كتم السرّ تشتمل على أمرين :
أحدهما : كون المؤمن ذا سرّ.
والثانية : أن تكون له ملكة الإخفاء والكتم ، بحيث لا تغلبه نفسه على الإفشاء والإذاعة.
وهذا الكلام كلّه في الثاني ، وأما الأول فيكفي فيه ما قاله الصادق (ع) يوماً للمفضل بن صالح :

يا مفضل !.. إنّ لله عباداً عاملوه بخالص من سرّه ، فعاملهم بخالص من برّه ، فهم الذين تمرّ صحائفهم يوم القيامة فرغاً ، فإذا وقفوا بين يديه ملأها من سرّ ما أسرّوا إليه.
فقال المفضل: يا مولاي ، ولِمَ ذلك ؟..
فقال: أجلّهم أن تطّلع الحفظة على ما بينه وبينهم.

والثانية : هي مداراة الناس :

وهي السنّة عن النبي (ص) ، وقد قدّمنا لك عن علي (ع) : أنّ أحبّ الخلق إلى الله من تأسّى بنبيه.
كما وحكمتها كحكمة كتمان السرّ ، بل كتمان السرّ على ما فسّرناه نوعٌ من أنواع مدارة الناس.

وفي الكافي عن الصادق (ع) قال : قال رسول الله (ص) : أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض ، وعنه عن جدّه أيضاً قال : مداراة الناس نصف الإيمان ، والرفق بهم نصف العيش. الكافي : 2/117 ..

ثم قال الصادق (ع) : خالطوا الأبرار سرّاً ، وخالطوا الفجّار جهاراً ، ولا تميلوا عليهم فيظلموكم ، فإنه سيأتي عليكم زمانٌ لا ينجو فيه من ذوي الدين إلا مَن ظنّوا أنه أبله ، وصبّر نفسه على أن يُقال أنه أبلهٌ لا عقل له. الكافي : 2/96 ..

وعنه أيضاً عن جده (ص) : ثلاثةٌ مَن لم تكن فيه لم يتمّ له عمل : ورعٌ يحجزه عن معاصي الله ، وخلقٌ يداري به الناس ، وحلمٌ يردّ به جهل الجاهل . الكافي : 2/95 ..
وفي الحديث عن الصادق (ع) : من كفّ يده عن الناس ، فإنما يكفّ عنهم يداً واحدةً ، ويكفّون عنه أيدٍ كثيرة . الكافي : 2/96 ..

فيا أخي !.. ما يصدر من بعض مَن يدّعي الصلاح والتقوى من أني لا أبالي بالناس ، ولست محتاجاً ، ومَن يكون الناس ؟.. إلى غير ذلك من الكلمات التي تصدر منهم في مقام عدم المداراة كلّه ، من اتّباع هوى النفس ، والجهل بطريقة أهل البيت (ع) .
وكثيرٌ من الجهّال يشتبه عليه مقام المداراة للناس في مقام المداهنة ، فيتخيّل أنّ المداراة للناس المأمور بها المداهنة.

والفرق واضحٌ ، فإنّ المداهنة المذمومة هي الموافقة على تحسين القبيح ، أو ترك إنكاره رغبةً وطمعاً فيما عندهم ، ليتوسّل إلى منافعهم الدنيوية ، أو يجلب قلوبهم إليه من دون ملاحظة دفع مفسدة.
والمداراة ترك الإنكار دفعاً للمفسدة ، أو لأجل تخفيفها ، أو تحرّزاً عن تهييجها ، وأين هذا من ذلك.
والمداراة قد تكون لدفع الشرّ ممن تداريه ، وقد تكون لاستجلابه إلى الخيـر ، وكلّها في مقامٍ لا محلّ للإنكار ، وأما للخوف ، أو لعدم التأثير ، فحينئذٍ الرفق والبشاشة وتحمّل الأذى ، والدفع بالتي هي أحسن هي المدارة ، قال الله فيها :
{ ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } . فصلت/34-35 .
ومنها قوله تعالى : { فقولا له قولا ليّنا لعله يتذكر أو يخشى } . طه/44 ..
ومنها في الكافي عن الصادق (ع) قال : إنّ النبي (ص) بينا هو ذات يومٍ عند عائشة ، إذ استأذن عليه رجلٌ فقال النبي (ص) : بئس أخو العشيرة !.. فقامت عائشة فدخلت البيت ، وأذن رسول الله للرجل ، فلما دخل أقبل عليه رسول الله (ص) بوجهه الشريف وبشره ، وأقبل يحدّثه حتى إذا فرغ وخرج من عنده ، قالت عائشة : يا رسول الله !.. بينا أنت تذكر هذا الرجل فيما ذكرته به ، إذ أقبلت عليه بوجهك وبشرك !..
فقال النبي (ص) عند ذلك : إنّ من شرّ عباد الله مَن تكره مجالسته لفحشه .. [ الكافي : 2/246 ] .. انتهى..
فهذا كله من المداراة التي هي نوعٌ من التقيّة ، وقد ورد في مدح التقيّة ما لا يُحصى حتى فسّر قوله تعالى : { إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم } . [ الحجرات/13].. بأنّ المعنى : أعدلكم في التقيّة.. وحتى قالوا أنّ تسعة أعشار الدين في التقيّة . الكافي : 2/172 ..

الثالثة: الصبر في البأساء والضرّاء.

ولا ريب أنّ الدنيا سجن المؤمن ، فأي سجنٍ جاء منه خير

ولقد قال الصادق لرجل اشتكى عنده الحاجة ، فقال له: اصبر سيجعل الله لك فرجاً ، ثم سكت ساعةً ، ثم التفت إليه فقال : أخبرني عن سجن الكوفة كيف هو؟.. فقال : ضيّقٌ منتنٌ ، وأهله بأسوء حال .. قال : فإنما أنت في السجن ، فتريد أن تكون فيه في سعة ، أما علمت أنّ الدنيا سجن المؤمن . [ الكافي : 2/195 ] ..
فالمؤمن إما أن يكون من أهل الشوق إلى الآخرة ، فيكون أصل بقائه في الدنيا سجناً له ، فضلاً عمّا يعرض له من البلاء وإما أن يكون ممن يخشى عليه الميل إلى هذه الدنيا ، والرغبة لما فيها ، فتأتي رأفة الحكيم فتزعجه منها بأنواع الابتلاء ، حتى يتنفر منها ولا يركن إليها ، فإنها دار الظالمين.
وإما أن يكون ضعيف العمل ، قليل الطاعات ، فتأتي رأفة الحكيم الرحيم أن لا يحرمه ثواب الابتلاء بالمصائب .
وقد قال الصادق (ع) : لو يعلم المؤمن ما له من الأجـر في المصائب ، لتمنى أنـه قـُرّض بالمقـاريض. الكافي : 2/198 ..
وقال الصادق (ع) : من ابتلي من المؤمنين ببلاءٍ فصبر عليه ، كان له مثل أجر ألف شهيد . الكافي : 2/75 ..

وقال الصادق (ع) : إنه ليكون للعبد منـزلة عند الله عزّ وجلّ ، فما ينالهـا إلا بإحـدى خصلتين : إما بذهـاب مالـه ، أو ببلية في جسده . [ الكافي : 2/199 ] .. انتهى.

فالابتلاء إما أن يكون للمؤمنٍ مثوبة ورفع درجة ، أو عقوبة وكفّارة ، وكلاهما حسنٌ محبوبٌ عند العاقل.
أما الثواب فواضحٌ ، وأما العقاب فلما اشتملت عليه أخبار أهل البيت (ع) من أن الله أكرم من أن يجمع على عبده المؤمن عقوبتين ، فكلّ شيءٍٍ عاقبه عليه في الدنيا فلا يعاقبه عليه في الآخرة فإذا كان لا بدّ للمؤمن من الابتلاء فلا بدّ له من الصبر ، وقد خلق الله الصبر قبل أن يخلق البلاء ، ولولا ذلك لتفطّر قلب المؤمن كما تتفطّر البيضة على الصفا.
وفي الكافي عن علي (ع) قال : قال رسول الله (ص) : "الصبر ثلاثة : صبرٌ عند المصيبة ، وصبرٌ على الطاعة ، وصبرٌ عن المعصية فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها ، كتب الله له ثلثمائة درجة ، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض.
ومن صبر على الطاعة ، كتب الله له سبحانه ستمائة درجة ، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش ومن صبر عن المعصية ، كتب الله له تسعمائة درجة ، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش. الكافي : 2/75 ..

وفي الكافي أيضا عن الصادق (ع) : إنّا صبّرٌ وشيعتنا أصبرُ منّا.
قلت: جعلت فداك !..كيف صار شيعتكم أصبر منكم ؟..
قال له: لأنا نصبرُ على ما نعلمُ ، وهم يصبرون على ما لا يعلمون. [الكافي : 2/76 ]

... مما راق لي .

حسين
02-02-2012, 01:26 PM
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

عباس البابلي
02-02-2012, 01:32 PM
إختيار موفق ومميز للموضوع
شاكرين لك اهتمامك في طرح كل مميز
. بإنتظار جديدك