المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قمر بني هاشم .. كوكبٌ لا مَغربَ لهُ .


أبو مرتضى علي
11-01-2011, 08:52 PM
بسم الله الرّحمان الرّحيم والصّلاة والسّلام على خير الأنام أبا القاسم محمّد وآله الأطهار الميامين
ولعن الله من ناوئهم وعاداهم من الأوّلين والآخرين ..

إخوتي الأفاضل :

-- يقول الحقُّ تعالى ": .. نحنُ نقصُّ عليك نبأهم بالحقّ إنّهم فِتيةٌ آمنوا بربّهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربّنا ربُّ السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا .."
صدق الله العلي العظيم

قمر بني هاشم .. كوكبٌ لا مَغربَ لهُ ..

تمهيـــــد ..

هؤلاء فتية آمنوا بالله تعالى ، فزادهم من كرمِ هدايته ، أن وهبهم ثبات الجنان وصدقَ اللسان . ثمّ أنعم عليهم بالذكر الخالد بخلود القرآن الكريم . فكلّ هذه النّعم السابغة ، والمنن الإلهية جزاء صدقهم . وإيمانهم الرّاسخ.. ولا نعلموا من أخبارهم سوى هجرتهم لله تعالى ، وخروجهم خفية خوفا من قومهم أن يردّون عن دينهم - وكانوا بينهم من ذوي الحظوة - إلاّ أنّهم رغبوا في ما عند الله تعالى ، وزهدوا في ما عند النّاس ..
فما ظنّك بعد هذا في فتية أبي عبد الله – عليه السّلام وصحبه – بعد أن صدقوا ، وآمنوا بربّهم ثمّ اهتدوا .. وآثروا مصارعَ الكِرام على طاعة اللّئام ، وفدوا دين محمّد – صلى الله عليه وآله - بدمائهم الزّكيّة ، وأنفاسهم القدسيّة ، وألسنة الصدق تردد ": إن كان دينُ محمّد لن يستقم إلاّ بقتلي ، فيا سيوفَ خذيني ..:" فلو شــــــاء الله - تعالى اسمه- أن يُنزل قرآنا بعد هذا فما عساه يحتوي من آيات الفضل والكرم والمثوبة والجزاء . بحقّ قرابين الإباء الحسيني ، والفداء العلويّ ، والصدق المحمّدي .. فهنيئا لهم تلك الدّرجات الرّفيعة ، وهنيئا لمن إقتداء بهداهم وأعتصم بنهجهم القويم ..
لذا فإنّ تاريخ العظماء لا يُمكن للكلمات أن تحتويه ، ولا الخواطر الإحاطة به حتّى وإن إجتهد الموالي لهم وعظُمت لديهِ المقدرة على ارتشاف المعاني من منابعها ، أو أُلهِمَ إدراك العارفين .. فلن يقدر على إعطاء الكمال معناه ولا الجمال منتهى وصفه . وخاصة إذا كان صاحب المقام رمزا من مفارق الأجيال ، أو قطبا من أقطاب رحى التّاريخ في دنيا البطولة ، وإخلاص الولاء المنبثق من صلة الدّم وروح الطُّهرِ التي آثرت أن تكون مصباحا تُمتصُّ حُشاشتهُ لتفنيها هديا على مسالك عشّاق الفضيلة والكمال.. بل هو قمر من أقمار بني هاشم يومضُ على مشارف التّاريخ وآفاق الوجود ليُبرزَ مواقفا خالدة تضيء من سناء دمائه الزّكيّة إزدواجيّة الفداء الحسيني ، والبأس العلويّ ، لملمها عُمقُ التّفاني والعطاء .. فانساقت إلى مضمار الخلود الأبدي ..

-- أمُّ البنين "ع" في بيت الطُّهر :

شاءت الحكمة الإلهيّة المُمهِّدة لملحمة كربلاء الخالدة أن تتمّ إحدى حلقاتها بعد أن توافقت مع رغبةُ الإمام المعصوم - سلام الله عليه – عندما همس في أذن أخيه عقيل [ وكان عالما بأنساب العرب ] . أن يختارَ له إمرأة ولدتها الفحول .. لتلد له فارسا شجاعا . [1] وليجمع نسبٌ بين طهارة النطفة وعفّة الرحم وأمنية عليّ "ع" ..
وتأخذ السيدة الجليلة فاطمة بنت مزاحم بن خالد بن دارم موقعا لها في بيت الطُّهر . وكان من سمو أخلاقها ورقّة مشاعرها أن طلبت من أمير المؤمنين "ع" أن لا يُناديها بإسمها مراعاة منها لمشاعر أبناء فاطمة البتول "ع" . فكنّاها - عليه السلام- بأمّ البنين . وكانت ثمرةُ ذاك الزواج المبارك ، أربعة بنين : هم العبّاس وعبد الله وجعفر وعثمان .. [ وشاء الله لهم أن يكونوا من قرابين الطفّ – سلام الله عليهم - ] وكانت أم البنين على درجة عالية من الإيمان ، حيث كان حبّها لأبناء الزهراء "ع" أعظم من حبّها لأولادها . وهذه الحقيقة أكّدتها الأحداث بعد يوم الواقعة . فكانت – رضوان الله عليها – تلتمسُ أخبار الكوفة ، وكلّ من كان يُخبرها بمصرع أبنائها ، كانت تسأله إبتداءًا عن خبر الحسين "ع" ، إذ كانت أخبار الحسين عندها أهمّ من أخبار أبنائها . وهكذا كان أبو الفضل العبّاس – سلامُ الله عليه - نتاج لهذه السيّدة الجليلة ، والعارفة بحقّ أهل البيت – عليهم السلام - ..[2]
-- قمر بني هاشم : مولد ه ونشأته "ع" :
وإن غفل التّاريخ برهة منَ الزمن ، ولم يحدّثنا عن ولادة العباس "ع" ولا أيّام طفولته في رحاب بيت العصمة بالشكل الذي يُناسبُ مقامه الأرفع ، إلاّ أنّه تكرّم علينا باليسير ، [ وفي اليسير من تاريخ العظماء كفاية ] حيث أنبأنا بأنّ مولده الشريف كان في الرابع من شعبان سنة 26 هـ . وبقدومه ملأت البهجة قلب أمير المؤمنين "ع" ، لأنّه كان يرى بأن القادم هذا سيكون حامل لواء ابنه ذاك ، فكانت هذه الحقيقة ملأ فؤاد الإمام "ع" وابنه العبّاس ينموا بين ناظريه . إلاّ أنَّ قمر بني هاشم – سلام الله عليه- قد بلغ مع بلوغه ذروة المجد لتعود الألسن تلهج بذكره ، وتُمجّد أفاضله : طبعٌ صريح ، ولسان فصيح ، ونخوةٌ لا تُبالي ما يفوتها من نفعٍ إذا ما استقامت على نهج المروءة والإباء .. فلا تعجب بعدها وأنت تشاهد الإمام أمير المؤمنين – عليه السّلام – وبعد وصيّته الأخيرة للحسنان – عليهما السّلام - . يوصي أبي الفضل العبّاس "ع" بأخته زينب "ع" ويأتمنه عليها بعد الله - تعالى شأنه - ..[3] فكان نعم الكفيل ونعم الأخ ، وكانت عقيلة بني هاشم "ع" ملء العين وملء القلب لدى قمر بني هاشم . فكان مثالا عند ذوي الإدراك والعقول، والباحثين عن الكمال في دنيا الإنسان . والعارفين لدرجات التضحيّة عند وقع البلاء.

-- نبذة من صفاته وألقابه "ع" :
فقد إجمتعت في العباس – عليه السلام - كلّ صفات الكمال والجمال ، فكان وسيما دمث الأخلاق ، وله نور معنوي وبهاء يُضاهي القمر نورا ، فكان قمرا بين كواكب بني هاشم – عليهم السّلام - ، كما كان شديد التّقوى والتّديّن والالتزام ، حتّى أنّ الشيخ الصدّوق وصفه بالقول : كان بين عينه أثر السّجود . [4] ومن جهة أخرى كان يُعدّ من أعاظم أبطال الإسلام ، فكان مع جماله ووسامته يركب الفرس المطهم ورجلاه تخطّان في الأرض ، وقد ورث الشجاعة والنّجدة عن أبيه أمير المؤمنين – عليهما السّلام - ، وكان في الكرم والسماحة وعزّة النّفس والجود تذكارا لكلّ مكارم ومناقب بني هاشم . [5] وأمّا وفاءهُ "ع" وإخلاصه فهو المشهور ، فكان الأئمة – عليهم السّلام – يذكرونه على الدوام .. فهذا الإمام السّجاد "ع" يقول ": رحم الله عمّي العبّاس ضحى من أجل أخيه حتّى قُطعت يداه ، ويُعطى يوم القيامة جناحان يطير بهما في الجنّة . إنَّ للعبّاس عند الله تعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة .. [6] وذلك الإمام الصادق "ع" يقول ": كان عمّنا العبّاس بن عليّ نافذ البصيرة ، صلب الإيمان ، جاهد مع أبي عبد الله "ع" ، وأبلى بلاء حسنا ، ومضى شهيدا ..:" [7] كما أشيرَ له في بعض الزيارات : واشهد أنّك مضيت على بصيرة من أمرك مقتديا بالصالحين ...": [8] وما أجمل أن يطابق الاسم مع المُسمَّى ، واللقبُ مع الملقّب .. وقد اشتهر العبّاس "ع" بعديد الألقاب وكان أشهرها " أبو الفضل "، من جهة أنَّ له ولد اسمه الفضل وآخر عبيد الله من زواجه الميمون منَ السيّدة لُبابة بنت عبد الله بن عبّاس حبر الأمّة – رض - فكانا غصنين كريمين من تلك الشجرة المباركة .. [6] ومن جهة أخرى أنّ له فضل لا يخفى نوره ، فهو رضيع لبانه ، وركنٌ من أركانه . ومن ألقابه " أبو القربة " لحمله الماء ، وكان معروفا بين بني هاشم بالسقاية منذ الطفولة .. [9] كما كان "ع" يُلقب " بالسقّا " لأنّه كان يجلب الماء للعطشى والأطفال ، خاصة في سفر كربلاء ، ولأجل ذلك استشهد يوم العاشر من المحرّم .- سلام الله عليه - [10]

-- شجاعته ووفاءه "ع" :

لن تكون لشّجاعة قيمة ، إن لم يصاحبها الوفاء ، ولا للوفاء تأثير دون الشجاعة . والمُبتَغي لأوسِمةِ الكمال والفضيلة ، فلا بدّ له من تلك المقومات النبيلة حتّى يبلغ أعلى الدرجات .. فما ظنّك بمن كان أبوه عليّا "ع"وهو منتهى الكمال البشري ، وأمّه وليدة مدرسة نشأ أبنائها تحت ظلال السيوف وترعرعوا في ميادين الشهامة والوفاء والشرف والشجاعة ..وهم بنو كلاب . ومع هذا وذاك كانت للدّروس العلوية والوصايا الحيدريّة الأثر البالغ في السمو والرفعة التي تحلّت بها شخصيّة أبو الفضل العبّاس "ع" .. وكان أوّلها حينما أعلمهُ الإمام "ع" وهو على فراش الشهادة بـ"سرّ الدّم " ، بعد أن ضمّه إلى صدره وهمس في أذنه ": ولدي وستقرُّ عيني بك في يوم القيامة ، إن كان يوم عاشوراء ودخلت المشرعة ، إيّاك أن تشرب الماء وأخوك الحسيـــــن عطشانا .:"[11] فنعم المُوصي ونعم الوَصيّ ، حيث تجسّدت وصايا أمير المؤمنين – عليه السّلام – في أبهى معانيها على ساحة الفداء والإيثار .. وكان أبو الفضل "ع" صاحبها حيث تجلّى وفاءه في أعلى درجة وفي أجمل صورة ، وفي الوقت ذاته فإنّ ما نُقل عنه من مشاهد ملحميّة في كربلاء ، تدلّ على مدى الوفاء والإخلاص والشجاعة الفذّة ، والتي تجسّدت مشاهدها في شدّة العطش وقسوة المظلوميّة .. بعد أن أتيحت لها الفرصة لتبرزَ بأبهى صورة كي تدوِّنَ ملحمة الوفاء على أمواج الفرات ، وتُرسَمُ معالمها على ضفاف نهر العلقمي ..

-- أبو الفضل "ع" رمزٌ للإيثار والتّفاني :

أنا لا أدري ، هل من العدل والإنصاف أن يتحدّث المرء عن ملحمة كربلاء وأبطالها ..؟ مع علمه المسبق بقصوره وتقصيره.. أم يتّخِذُ من تطفّل العاشقين ، وتعلّل المريدين ، وهيام الموالين .. عُذرًا لِيقتَحَمِ في معالم الكمال والجمال الرباني .. حيث يأبى الحرف أن ينزل في نِطاق ، إلاّ أن يكتفي بتصوير الفسحة التي تأخذ من مظاهر الأشياء دون بواطنها .. فأستسمحك وأعتذر منك .. يا مولاي يا أبا الفضل .. مع الأمل في رضاك وصفحك .. إذْ وقفت على مشارف الطّفوف بصفة المتأمّل لا الناصر ألُوكُ حديثا وأجترّ معاني لِمَشَاهِدَ تبيّن مدى عمق إيمانك ووفاءك وانسك بالشهادة في سبيل الله تعالى .. وكأنّي بك تُنادي القرابين من رحم أمّك لتقدّمهم فداءا للحقّ والفضيلة وعزاءا لأبي الأحرار – عليه السلام- ": تقدّموا يا بني أمّي حتّى أراكم نصحتم لله ورسوله ..:" فلبّوا النداء وآثروا الفناء الماديّ ليخلدوا بخلود يوم العاشر من المحرّم ..
مشــــوا إلى الحرب مشيَ الضاريات لهـــا فصافحوا الموت فيهـا والقنــا أُجــــم
فالحرب تعلمــوا إن ماتوا بهـــــا فلقـــــــــد ماتت الأسيـــــــاف منهـــم لا الهمــمُ
عهدي بهم قصـــر الأعمـــار شأنهـــــــــــم لا يهرمـــــــــــــون وللهيابــــةِ الهـرمُ

عندها وقفت – سلام الله عليك – تُشاهد أجساد الطّهر وشّحتها دماء الشهادة بوشاح الخلود ، وترى أن الشهادة خير حليّة تجمع للإنسان في دنياه الذكر الحسن ، وتكون له بلغة النّجاة بعد الممات .. ولن تتمكّن الدنيا الدّنيئة من أن تُرهبك بأخذ الأعزّة ، حتّى تكون خِدْنا من أخدانها . بل أعطتك بذلك وضوح المنهج والمسلك لبلوغ رحاب الشهداء الأحياء.. حتّى تجعل منها لونك الدّائم ونصرك الأخير .. بعد أن انصهرت في وجدانك مجموعة الصفات العلويّة ، والسجايا الحسينيّة . وإذا النتاج كالفيض يجري في ساحة كربلاء وكأنّه في سباق ، وها هي تتساندُ كأنّها أنداد : بين عفّة وصدق يُزيّنان مشاعر التّقوى والإيمان ، فغارا في جناحك واندفق على لسانك ": أخي قد ضاق صدري من هؤلاء المنافقين .. أريد أن أخذَ ثأري منهم ..:" إلاّ أنّ أبا عبد الله – عليه السّلام – كان يسمع صياح الأطفال والنّسوة وقد أرهقهم العطش ، بعد أن منع جيش الكوفة الماء عنه بُغيَةَ إرغامه "ع" على الاستسلام والرضوخ .. ولكن أنًّ لهم ذلك وصاحبهم يرفع لواء " هيهات منّا الذلّة .."
.. ثمّ يندفع حامل اللواء ثانيّة نحو أبي الأحرار "ع" يلتمس الإذن ، بعد أن صُرع كلّ الأعزّة ، ومن قاتل تحت لوائه . فما عساه أن يفعل وهو قائد بلا جيش .؟ وقد امتلأ غيظا على أعداء الله ، وهو يرى تلك الكواكب المنيرة صرعى على رمضاء كربلاء ، فأبت نفسه إلاّ اللحاق بهم ، وقد دفعه شوقه إلى الشهادة ، فيدنو من الحسين"ع" ويكرر الطلب.

--- ملحمة الخلود تُرسَمُ على ضفاف الفرات :

ولكن أبا عبد الله – عليه السّلام – يجيبه بصوت خافت حزين النبرات ": أنت صاحب لوائي :" ، ومع ذلك كان – سلام الله عليه – يشعر بالقوة والمنعة ما دام أبو الفضل "ع" بجانبه حيّا .. ولكن الأطفال تعالت صرخاتهم وهم يتفوّرون من شدّة العطش . وبين تلكم الصيحات جاء الإذن للعبّاس من أخيه الحسين – عليهما السّلام - أن يطلب الماء للأطفال والنسوة . عندها ثارت لديه الحميّة الهاشميّة ، وأخذ القربة وركب جواده . وما أن اتجه نحو الفرات ، حتّى أحاطت به أجلاف أميّة والهمج الرعاع من أهل الشام ، وتسابقوا في رشقه بالنبال من كلّ جانب ، إلاّ أنّه "ع" لم تُرعه تلك الكثرة ، بل أخذ يُطاردهم لوحده ولواء الحمد بيده ، حتّى ذهلوا من عظمة بأسه وشدّة إقدامه ، وما يدرون أهو العبّاس أم والدُهُ عليّ –عليهما السّلام - .؟ .. حتّى وطئت قدما فرسه النهر، ثمّ نزل ليملأ القربة ، وبحركة اللاشعورية أملتها شدّة العطش ، إغترف من الماء ليشرب ، لكنّه تذكّر الوصيّة وتذكّر عطش الحسين – عليهما السّلام - . فرمى الماء وقال :

يا نفس من بعد الحسين هونــــــــــي وبعده لا كنت أن تكــــــــــوني
هذا الحسيــــــن وارد المنـــــــــــــون وتشربيـــــــــن بارد المعيـــــن
تالله مــــــــــا هذا فعال دينـــــــــــــي ولا فعـــــــــال صادق اليقيــــن
.. هذه الأبيات لم يكن لها شاهد حين جرت على لسان أبي الفضل "ع" . إلاّ أنَّ سيوف البغي قد ضيّعت مقاطعها حينا، وبعثرت كلماتها رماح ونبال أميّة حينا آخر . إلاّ أنّ من سرِّ بقاءها ووثاقة سندِها .. : صدقُ النُّطق بما في الوجدان . فكان ذلك هو السند الموثوق به .. ثمّ ملأ القربة وركب جواده وتوجّه نحو المخيّم . لكنّهم قطعوا عليه الطريق ، فكشفهم عنه أوّل مرّة . وعندها اتبعوا معه أسلوب الغدر.. فكَمِن له أحدهم وضربه على يمينه فقطعها . لكنّه "ع" لم يعبأ بما أصابه بعد أن كان همّه إيصال الماء لأطفال الحسين وعياله .. إلاّ أنَّ اللعين حكيم بن الطفيل كمن له من وراء نخلة ، فما إن مرّ به ، حتّى ضربه على شماله فقطعها ، ثمّ تكاثروا عليه بالسهام والرّماح ، حتّى أصابوا القربة وأريق ماءها ، كما أصاب سهم آخر صدره الشريف ، وضربهُ ابن زانية بعمود على رأسه ففلق هامته .. ليسقط على الأرض وينادي ": عليك منّي السّلام يا أبا عبد الله ..:"
فكيفَ احتملت الأرض منك هول ذاك السقوط ..؟ وأنت البطل وقدْ رجحَ على أصْْغَريك فيضُ الكمال ، ثمّ فاض على كفّيكَ المبتورتان بصَوْلَةِ الباطل بعدَ أن أشرَفْتَ على الدنيا من فوقِ حدودها وفوق مداها ..
ويسعى إليه أبي الأحرار – عليه السّلام - حتّى يقفَ عند رأسه ، ليُبصر قربان القداسة فوق الصعيد قدغشيّته الدّماء وجللته النّبال ، فلا يمين تبطش ولا منطق يرتجز ولا عين تبصر .. فيسترجع - سلام الله عليه – وقد أنهكه وقع المصاب ، ولم يُبقي منه إلاّ هيكلا شاخصا مُعرًّى عن لوازم الحياة وشفتاه تهمسان ": الآن إنكسر ظهري وقلّت حيلتي "..
أأخي من يحمـــي بنـــــات محمّــــد إذ صرن يسترحمن من لا يرحــــــم
ما خلت بعدك أن تشلّ سواعــــــدي وتكفّ باصرتي وظهري يُقســـــــــم
.. ما بين مصرعك الفظيع ومصرعي إلاّ كما أدعوك قبــــــل وتنعــــــــــــم
هونت يا ابن أبي مصارع فتيتـــــــي والجرج يسكنــه الذي هو أألــــــــــــم
فأكبّ منحنيّـــــا عليـــــه ودمعــــــه صبــــــــغُ البسيط كأنّمــــــا هو عنــدم
قد رام يلثمه فلم يرى موضعــــــــــــا لم يُدمــــــه عضّ السّــــــلاح فيلثـــــم ..[12]

ولكن واقع الحال لم يصيبوا من أبي الفضل "ع" إلاّ الظاهر من كيانه الأقدس ، لأنّ كلّ الطعنات والضربات لم تنل من مقتله ، لأنّ الذين يحملون القيّم الإنسانيّة في أسمى معالمها يُصبحون في مأمن حريز من أيّ ترابيّ على شاكلة حكيم بن الطفيل أو أبناء الزنا ممّا أنجبت سميّة وهند .".. بعد أن ترك الفرات متعطشًا لشفاهه و عاد و لم يتسنّ لعطش الفرات أن يمس ذيل ردائه . فأين يمكن العثور على مثل هذا الإباء . و هل تتسع الكلمات لمثل هذه التضحية و الفداء ؟ و هل يمكن بيانها بالكلمات المجرّدة وإن حملت بين أحرفِها الصدقَ كلَّهُ .. ؟
لقد قُطعت يدا أبي الفضل العبــاس (ع ) لتُصبِحَ علمًا وراية لكل الأحرار في العالم . و غدا العباس - عليه السلام- معلمًا لا نظير له في الرجولة و المروءة مدى التاريخ ، وهذا ضريحه المقدّس وقبتهُ الذهبية تحاكي الأجيال على فضل الولاء والصدق فيه .. كلمتان ولكنّها أطول من الحروف ، فهي بطول يوم العاشر من المحرّم ، حيث يرتكز حدٌّ منها على رمضاء كربلاء ، بينما يهيمُ حدُّها الآخر ما وراء المحدود والمحسوس .. فهي الرباط الذي يصل الدنيا بالآخرة ما دامت كرامات أبو الفضل "ع" سابغات على زائريه وسائليه .. [13] ولو علِمَ الذين غدروا به ، وحتّى الذين تولّوه ، إنّه من نسج مُنتهى الكمال ولو بمقدار الأولياء .. لَمَــا قتلوه ، ومَــا صدَّقَ أولياءه حتّى اليوم بأنّهم فقدوه وهو النيّرُ الموهوب ، يغازل الشمس ولو من خلف الغمام و الضمانةُ قول أبيه "ع": تخففّـوا تلحقـوا.
وأفلت شمسُ عاشوراء بلونها الدّامي .. وانقضى يومان وتلك الأجساد الطاهرة ملقاة على ثرى الطفّ ، حتّى جاءت جماعة من بني أسد وتولت دفنهــا ، ومن بينها جثمان الطهر لأبي الأحرار، وأخيه سقاء كربلاء وحامل لوائها – عليهما السّلام - .. ومع عودة الإمام السجّاد "ع" مع السبايا من أرض الشام نحو المدينة المنورة عند الأربعين ، أقام مراسم الدفن من جديد ، وتولى دفن أبيه وعمّه بيديه الشريفتين [14]

نعى الرّوح جبريلٌ بأنّ ذوي الغـــدرٍ أراقــوا دمُ المفـيــــــن لله بالنــــــــــــذرِ
نعـى من أعــار الله بالطفّ هــامــــهُ ومن قلبــهُ فيهـــا أقـــــام على الجمــــــر
نعـى الجوهر الفرد الذي في أمـــوره تجرّد للرحمـــــــان من عالـــم الأمــــــر
نعـى إبن الذي سدّ الثغــور بسيفــــــه وأفرغَ فيهــا من دم الشـــوسِ لاَ القطــرة

فسلام الله عليكم وسلام ملائكته المقرّبين .. ولعن الله من قتلكم ، ولعن الله من جهل حقّكم واستخفّ بحرمتكم ، ولعن الله من حال بينكم وبين ماء الفرات ، أشهد أنّكم قتلتم ظلما ، فأنا لكم تابع ونصرتي لكم معدّة .. وجمع الله بيني وبينكم وبين رسوله وأوليائه في منازل المخبتين ، فإنّه أرحم الرّاحمين .. [15]
وصلى الله على محمّد وآله الأطهــــــــــــــــــار المنتجبيـــــــــن ، والحمد لله ربّ العالمين .
والسّلام في البدء والختام ممن سيبقى على العهد مقيمـــــــــا .
الفقير لدعائكم أبو مرتضى عليّ


-- الفهـــــرس --

1] -- العباس للعلامة عبد الرزاق الموسوي المقرم ..
2] -- العباس ابن علي لباقر شريف القرشي ص 133 .
3] -- نقلا عن بعض المحاضرات لشيخ الدكتور الوائلي – قدّس نفسه الزكيّة – أو الشيخ المهاجر – حفظه الله -
4] -- ثواب الأعمال للشيخ الصدّوق ، نقلا عن معالى السبطين ص 270 .
5] -- أعلام الناس بفضائل العباس للسيد سعيد البهبهاني و العباس للعلامة عبد الرزاق الموسوي المقرم .
6] -- سفينة البحار - كلمة عبس - . والثاني ج 6 ص 134 .[ وقد أصبحا إبنا العبّاس "ع" من أعلام الأمّة ]
7] -- أعيان الشيعة - 7 - 430 - أبصار العين في أنصار الحسين ص 26 .
8] -- مفاتيح الجنان زيارة العبّاس " عليه السلام " .
9] -- العباس للعلامة عبد الرزاق الموسوي المقرم ص 136 .
10] -- العباس للعلامة عبد الرزاق الموسوي المقرم ص 90 و بحار الأنوار ج 44 ص 388 .
11] -- معالي السبطين محمّد مهدي المازندارني الحائري .
12] -- للسيد جعفر الحلّي - توجد بتمامها في مثير الأحزان للعلامة الشيخ شريف الجوهري .
13] – .. وهذه كرامة من كراماته ذكرها الشيخ عبد الرحيم التستري المتوفى سنة 1313 هـ وهو من تلاميذ الشيخ الأنصاري – أعلى الله مقامه – قال ": زرتُ الإمام الشهيد أبا عبد الله الحسين "ع" ثمّ قصدتُ أبا الفضل العبّاس "ع" . وبينما أنا في الحرم الأقدس إذ زائرا من الأعراب ومعه غلام مشلول ربطه بالشبّاك وتوسّل به وتضرّع ، وإذا بالغلام قد نهض وليس معه علّة ، وهو يصيح شفاني العبّاس فاجتمع النّاس عليه وخرقوا ثيابه للتبرك بها . فلمّا أبصرت هذا بعيني تقدّمت نحن الشباك وعاتبته عتابا مقذعا وقلت يغتنم ألمعيدي الجاهل منك المنى وينكفأ مسرورا ، وأنا مع ما أحمله من العلم والمعرفة فيك والتـأدّب في المثول أمامك أرجع خائبا لا تقضي حاجتي ، فلا أزورك بعد هذا أبدا . ثمّ راجعتني نفسي وتنبهتُ لجفائيّ عتبي فاستغفرت ربّي سبحانه ممّا أساءت مع [ عبّاس اليقين والهداية ] . ولمّا عدتُ إلى النّجف الأشرف أتاني الشيخ مرتضى الأنصاري – قدّس سرّه - ، وأخرج صرتين وقال : هذا ما طلبته من أبي الفضل ، اشتري دارا وحجّ البيت الحرام ..:" . [ العباس ص 241 .. ] ولله الفضل يؤتيه من يشاء ..
14] -- العباس للعلامة عبد الرزاق الموسوي المقرّم ص 231 .
15] -- من المأثور عن زيارة أبي الفضل "ع"- مع وضع صيغة الجمع - مع اختصار شديد .
* ] -- ديوان السيد حيدر الحلي - .

*** عجبتُ لمن عشقهم كيف له أن يَحِدَّ من جموح قلمه .. ولو كان عيّ ..؟ ***

غصن الجنة
11-01-2011, 09:03 PM
بسم الله الحمن الرحيم

اللهم صلي على محمد وال محمد وعجل فرجهم يارب

السلام عليك ياقمر بني هاشم أبا الفضل العباس

اللهم أرزقنا في الدنيا زيارت وفي الآخرة شفاعته يالله

مشكور اخوي على الموضوع الاكثر من رائع وبصراحه يستحق التميز

مجنونه بحيدر
11-02-2011, 12:54 PM
سلام الله عليك ياسيدي
بااارك الله فيك طرح مميز بكلماته وحروفه الجميله
تحياااتي لك

أبو مرتضى علي
11-02-2011, 04:27 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كلّ الشكر والموفقية على هذا التواصل الكريم
أبو مرتضى علي

الحوراء
11-10-2011, 08:17 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وال محمد

السلام على قمر بني هاشم وفدائي كربلاء ابو الفضل العباس عليه السلام



جزيتم خيرا على الموضوع النير


تحياتي

أبو مرتضى علي
11-11-2011, 09:49 AM
أشكر لكم هذا التواصل الكريم .. دمت موفقة.
أبو مرتضى عليّ

لبنانية جنوبية
11-11-2011, 08:01 PM
اخ ابو مرنضى علي
لحن مواضبعك يصب غي صميم الوجدان ويدخل القلوب بثبات.................
سلام على قمر انار درب امام شهيد
فطعت كفيه ولم يكتفي
بقي دفاعا عن الدين الحنيف

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

أبو مرتضى علي
11-12-2011, 06:46 PM
أشكر لكم هذا التواصل الكريم .. دمت موفقة.
أبو مرتضى عليّ

قمر الليل كله
04-13-2012, 05:45 PM
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

شيعي الخالص
04-30-2012, 07:07 PM
http://im9.gulfup.com/2012-04-30/1335795995946.gif